ترسم هذه الآية الكريمة لحظة التحول الكبرى في تاريخ البشرية؛ حين بلغ الاستضعاف بنوح عليه السلام مداه بعد تسعمائة وخمسين عاماً من البلاغ والأذى، فانكسر بين يدي ربه مستنصراً بالدعاء الخالص الذي فتحت له أبواب السماء.
روى الطبري في جامع البيان (ج ٢٢، ص ٥٠٦)مصدر غير محدد٢٢/٥٠٦ عن قتادة ومجاهد في قوله: {فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ}: قال: لما يئس نوح من إيمان قومه، وزجروه وخاف أن يقتلوه، وأوحى الله إليه: {أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ آمَنَ}، دعا ربه بكلمات وجيزات صادقات: رب إني مغلوب مقهور لا طاقة لي بهم، فانتصر لي ولديك ولدعوتك ولحرماتك.
وذكر ابن كثير في تفسيره (ج ٧، ص ٤٤٦)مصدر غير محدد٧/٤٤٦: أي دعا ربه دعاء المضطر المستغيث: إني ضعيف عن مقاومتهم ومجابهة شرهم، مغلوب مقهور بقوتهم وكثرتهم، فانتصر أنت لدينك ولدعوتك وانتقم لي منهم، فاستجاب الله دعاءه فكان الطوفان العظيم الذي أغرق أهل الأرض كلهم إلا من ركب معه في السفينة.
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ٨٩)مصدر غير محدد١٧/٨٩: قال ابن عباس: لم يدعُ نوح على قومه إلا بعد أن يئس من صلاحهم بالوحي الإلهي، فدعا بهذه الكلمات الأربع فغضب الله لغضبه وعجل بنصرته، وأمر السماء والأرض بإهلاك من كذبه.
وقرأ الجمهور: {أَنِّي مَغْلُوبٌ} بفتح الهمزة؛ أي بأني مغلوب، أو دعاه لأنني مغلوب، وقرئ بكسر الهمزة {إِنِّي} على إضمار القول؛ أي فقال إني مغلوب.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{فَدَعَا}: الفاء عاطفة سببية تفيد التعقيب والترتيب؛ أي فلما ازْدُجر وبلغ الأذى غايته بادر بالدعاء، دعا فعل ماض مبني على الفتح المقدر على الألف للتعذر، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود على نوح عليه السلام.
{رَبَّهُ}: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة وهو مضاف، والهاء ضمير متصل مبني على الضم في محل جر مضاف إليه.
{أَنِّي}: أن حرف توكيد ونصب وتوكيد ومصدر، والياء ضمير متصل مبني في محل نصب اسمها، والمصدر المؤول في محل جر بالباء المحذوفة؛ أي بأني مغلوب، والجار والمجرور متعلق بدعا.
{مَغْلُوبٌ}: خبر أن مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، وصيغته اسم مفعول من غَلَب يَغْلِبُ غَلْباً، إذا قهر واستعلى عليه غيره بالقوة.
{فَانتَصِرْ}: الفاء فصيحة رابطة لجواب شرط مقدر؛ أي إذا كنت مغلوباً فانتصر، انتصر فعل أمر مخرجه الدعاء والتضرع مبني على السكون، والفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره أنت يعود على الله جل جلاله، والانتصار طلب النصر والانتقام للحق من الظالمين.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أعظم وأبلغ هذا الدعاء النبوي الموجز! كلمات أربع هزت عروش السماء: {أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ}؛ لم يسترسل في الشكوى، ولم يسرد تفاصيل الأذى الذي لاقاه في تسعة قرون ونصف، بل فوض الأمر لله بكلمتين تشخصان الواقع وتطلبان الغوث:
تشخيص الحال البشري: {أَنِّي مَغْلُوبٌ} (إعلان الضعف والافتقار والانكسار).
استدعاء القوة الإلهية المطلقة: {فَانتَصِرْ} (التفويض الكامل لرب العزة).
ترتيب الفاء السببية في الآية التالية {فَفَتَحْنَا}: يعكس سرعة الاستجابة الإلهية؛ فما كاد الدعاء يصعد من الأرض حتى انفتحت له أبواب السماء بالماء المنهمر في مشهد كوني لا نظير له.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
كشف حقيقة الانتصار المشروع:
هل كان دعاء نوح تشفياً وانتقاماً شخصياً؟
التحقيق القرآني: نوح عليه السلام صبر ألف سنة إلا خمسين عاماً، وبذل كل وسيلة دعوية (ليلاً ونهاراً وسراً وجهاراً) وقوبل بالضرب والزجر والاستهزاء، ولم يدعُ إلا بعد أن أوحى الله إليه حكماً فاصلاً: {أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ إِلَّا مَن قَدْ آمَنَ}، فعلم أن بقاءهم مفسدة محضة للأرض وتوليد للفجار والكفار كما قال: {وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا}، فكان دعاؤه غيرة على التوحيد وحماية للفطرة الإنسانية من الاستئصال العقدي التام.
برهان قوة الضعف البشري أمام القدرة الإلهية: الآية تؤصل حقيقة عقلية إيمانية؛ أن أعظم سلاح يملكه المظلوم هو الاعتراف بالضعف بين يدي القوي العزيز؛ فإذا تبرأ العبد من حوله وقوته وقال بصدق: {أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ}، هبت لنصرته جنود السماوات والأرض.
الإيجاز بالحذف والإضمار: حذف مفعول {فَانتَصِرْ}؛ لم يقل فانتصر لي، بل أطلق الفعل ليفيد العموم؛ أي انتصر لي ولدعوتك ولشريعتك وللمؤمنين، وانتقم من كل طاغية متجبر.
الجناس الاشتقاقي والمطابقة بين الغلبة والنصر: {مَغْلُوبٌ} يقابلها طلب {فَانتَصِرْ}؛ لبيان أن كل غلبة بشرية ظالمة تنكسر وتتلاشى فور صدور النصر الإلهي.
الإشارة التدبرية: الدعاء عند انسداد الأسباب الدنيوية هو مفتاح خوارق العادات؛ فنوح لم يكن يملك جيشاً ولا سلاحاً، لكنه ملك الدعاء الصادق، فقلب الله له نظام الكون وأغرق من عاداه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
اللجوء إلى الله في لحظات الاستضعاف: وصية لكل مظلوم ومستضعف وداعية محاصر أن يطرق باب ربه بيقين؛ فسهام الليل لا تخطئ، ونداء {أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ} كفيل بزلزلة عروش الظالمين.
تجريد الافتقار وإسقاط الحول والقوة: أن يتعلم المسلم الانكسار بين يدي الله والتبرؤ من الغرور بالكثرة والعتاد؛ فالنصر ينزل على القلوب المنكسرة المتوكلة.
حسن الأدب في الدعاء: استلهام الإيجاز النبوي في الدعاء والتركيز على جوامع الكلم التي تجمع صدق الافتقار وكمال الرجاء.