تصف الآية الكريمة ذروة الوقاحة والجرأة الفاجرة لقوم لوط؛ حين جاؤوا يراودونه عن أضيافه من الملائكة الكرام الذين نزلوا به في صورة رجال حسان، فكانت العقوبة الفورية العاجلة قبل الصبح أن طمس الله أعينهم وأعماهم.
روى الطبري في جامع البيان (ج ٢٢، ص ٥٢٨)مصدر غير محدد٢٢/٥٢٨ عن ابن عباس وقتادة ومجاهد والزهري والسدي في قوله: {وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ}: قال: لما نزلت الملائكة (جبريل وميكائيل وإسرافيل) على لوط في صورة فتيان حسان الوجوه، ظنهم لوط ضيوفاً من البشر فخاف عليهم وضاق بهم ذرعاً، وعلم بهم قومه فجاؤوا يهرعون إليه يريدون الفاحشة بأضيافه، فراودوه وكسروا بابه؛ فلما رأت الملائكة ضيق لوط قال له جبريل: يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك؛ ثم ضرب جبريل بجناحه ضربة على وجوههم، فطمس أعينهم فمسحها مسحاً حتى استوت وجوههم وصارت كالصفحة الملساء لا يرى فيها موضع للعينين ولا أثر لشق ولا جفن! فصاروا عمياناً يتخبطون ويتساقطون على الجدران ويقولون: النجاء النجاء! فإن في بيت لوط قوماً سحرة!
وذكر ابن كثير في تفسيره (ج ٧، ص ٤٥٢)مصدر غير محدد٧/٤٥٢: أي طلبوا منه أن يخلي بينهم وبين أضيافه ليفعلوا بهم الفاحشة، فغضب الله عليهم وأمر جبريل فمسح وجوههم بجناحه فطمس أعينهم حتى سدت محاجرها واستوت بالخدود؛ ثم قيل لهم بلسان التهديد والتقريع: {فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ}؛ أي ذوقوا وبال تكذيبكم ونكالي بكم.
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ١٠١)مصدر غير محدد١٧/١٠١: الطمس: محو الأثر وإزالته حتى لا يبقى له علامة؛ فطمست أعينهم أي مسحت فصارت وجوههم مصمتة كصفحة الخد، وهذا كان عذاباً معجلاً مقدماً بين يدي الحاصب في الصباح.
وفي التحرير والتنوير: الالتفات من الغيبة إلى الخطاب في قوله {فَذُوقُوا}: التفات توبيخي مهيب؛ ينقل السامع إلى مشهد مخاطبة الله لهم بالعذاب والتقريع المباشر.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَلَقَدْ}: الواو واو القسم، اللام للتوكيد، قد حرف تحقيق.
{رَاوَدُوهُ}: راود فعل ماض مبني على الضم لاتصاله بواو الجماعة، والواو فاعل، والهاء مفعول به أول يعود على لوط عليه السلام، والمراودة في اللغة طلب الشيء بحيلة وتكرار ومحاولة إمالة النفس نحوه.
{عَن}: حرف جر للمجاوزة.
{ضَيْفِهِ}: اسم مجرور بعن وعلامة جره الكسرة وهو مضاف، والهاء مضاف إليه، والجار والمجرور متعلق بالفعل راودوه؛ والضيف يطلق على الواحد والجماعة والمراد هنا الملائكة.
{فَطَمَسْنَا}: الفاء عاطفة سببية تفيد سرعة الانتقام، طمسنا فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بنا، و(نا) فاعل، والطمس إزالة الأثر والمحو الكلي.
{أَعْيُنَهُمْ}: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة وهو مضاف، والهاء مضاف إليه والميم للجمع.
{فَذُوقُوا}: الفاء فصيحة، ذوقوا فعل أمر مخرجه الإهانة والتقريع والتوبيخ مبني على حذف النون، والواو فاعل، والجملة مقول لقول محذوف تقديره: فقلنا لهم ذوقوا.
{عَذَابِي}: مفعول به منصوب بالفتحة المقدرة على ما قبل ياء المتكلم، والياء مضاف إليه.
ثم التفت النظم فوراً لمواجهتهم بالتقريع: {فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ}.
هذا الانتقال يصور سرعة تنزل النقمة على من بارز الله بانتهاك الحرمات والأعراض؛ فالعين التي تطلعت إلى الحرام والخبيث طمست وسويت بالجدار لتكون آية لكل معتبر.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تناسب العقوبة مع الجريمة (طمس الأعين):
الحكمة الإلهية تتجلى في مطابقة العقوبة للذنب: فالأعين هي رائدة الشهوة المحرمة، وهي التي خانت ونظرت إلى الفاحشة وتطلعت إلى مراودة الضيوف؛ فناسب أن تسلب البصر كلياً وتطمس محاجرها في الدنيا قبل أن تصلى الحجارة والنار في الآخرة.
برهان عجز المشركين أمام جند الله: هؤلاء الذين جاؤوا في عصبة وجبروت يريدون كسر الباب واقتراف الفاحشة، أعمى الله أبصارهم بضربة واحدة من طرف جناح ملك واحد، فصاروا يتخبطون عمياناً كالفئران يبحثون عن مخرج الباب! وهذا برهان عقلي على تفاهة القوة البشرية إذا واجهت جند السماوات.
الدقة في التعبير بـ{فَطَمَسْنَا}: لم يقل (أعميناهم)، لأن الأعمى تبقى عينه ومحجرها موجودين ويزول نورها فقط؛ أما الطمس فهو محو العين كلياً واستواؤها بالوجه كأن لم تكن له عين قط؛ وهذا تصوير هائل لإزالة العضو الذي تجرأ على المعصية.
الاستعارة في الذوق {فَذُوقُوا}: استعارة الذوق الحسي لإدراك آلام العذاب؛ لأن الذوق أخص الحواس وأبلغها في إحساس المرارة والألم في الحلقوم والأعماق.
الإشارة التدبرية: من لم يغض بصره عن محارم الله في الدنيا طمست بصيرته أولاً ثم طمس بصره؛ فالشهوة الحرام تعمي البصائر قبل أن تعمي الأبصار.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
إكرام الضيف وحماية الأعراض: تعظيم منزلة الضيف في الشريعة، والغيرة على الأعراض والحرمات، والنهي الحاسم عن أدنى انتهاك لها.
غض البصر وصيانة الحواس: دعوة المسلم إلى حفظ عينيه وجوارحه عما حرم الله؛ فإن البصر أمانة سيسأل عنها العبد {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا}.
عزة المؤمن بنصرة الله: تسلية للمؤمنين المستضعفين بأن الله يملك جنوداً يدافعون عنهم ويطمسون كيد أعدائهم في لحظة واحدة.