تحدد هذه الآية الكريمة الجذور الحقيقية لضلال الكافرين، وتعلن حتمية استقرار الأمور عند غاياتها وجزائها العادل في الدنيا والآخرة.
روى الطبري في جامع البيان (ج ٢٢، ص ٤٩٩)مصدر غير محدد٢٢/٤٩٩ عن قتادة ومجاهد في قوله: {وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ}: قال: كذبوا بالحق وبما جاءهم من عند الله، واتبعوا ما دعتهم إليه أهواؤهم وشهواتهم وعبادة الأصنام وتقليد الآباء، {وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ}: قال قتادة: استقر الخير بأهله في الجنة، واستقر الشر بأهله في النار؛ وقال مجاهد: كل أمر مستقر؛ أي مستقر عند الله بعلمه وجزائه وميقاته لا يفوته شيء.
وذكر ابن كثير في تفسيره (ج ٧، ص ٤٤٥)مصدر غير محدد٧/٤٤٥: أي كذبوا بالحق لما جاءهم، واتبعوا ما أملت عليهم آراؤهم الفاسدة وأهواؤهم الباطلة من الشرك والضلال، {وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ} أي كل أمر واقع وصائر إلى مستقره ومآله؛ فالخير مستقر بالخير وثوابه، والشر مستقر بالشر وعقابه، أو كل عمل صالح أو سيئ يستقر وينتهي إلى عاقبته يوم القيامة.
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ٨٥)مصدر غير محدد١٧/٨٥: {مُّسْتَقِرٌّ} أي له وقت يستقر فيه ويتبين أهو حق أم باطل؛ فالأمر سينتهي إلى مآله الحتمي، ونصر الله لرسوله مستقر لا محالة، وهلاك الكفرة مستقر لا شك فيه.
وقرأ الجمهور: {وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ} برفع الراء وتنوينها، وقرأ أبو جعفر وشيبة: {وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٍّ} بجر الراء والتنوين، على أنه نعت لأمر، والخبر محذوف تقديره: وكل أمر مستقر واقع أو حاصل.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَكَذَّبُوا}: الواو عاطفة، كذبوا فعل ماض مبني على الضم لاتصاله بواو الجماعة، والواو ضمير متصل مبني في محل رفع فاعل، وحذف المفعول به لإفادة العموم؛ أي كذبوا النبي، وكذبوا بالآيات، وكذبوا بالساعة والبعث.
{وَاتَّبَعُوا}: الواو عاطفة، اتبعوا فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعل.
{أَهْوَاءَهُمْ}: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة وهو مضاف، والهاء ضمير متصل مبني في محل جر مضاف إليه، والميم للجمع، والأهواء جمع هوى، وهو ميل النفس إلى ما يوافق شهوتها بغير هدى من الله.
{وَكُلُّ}: الواو استئنافية لتقرير قاعدة كونية كبرى، كل مبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة وهو مضاف.
{أَمْرٍ}: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة.
{مُّسْتَقِرٌّ}: خبر المبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة (على قراءة الرفع)، وهو اسم فاعل من استقر يستقر استقراراً، إذا ثبت ورسخ وبلغ منتهاه ومستقره النهائي.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أعمق الربط بين التكذيب واتباع الهوى! {وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ}؛ فهذا الاقتران النظمي يقرر حقيقة نفسية قرآنية: أن التكذيب ثمرة مباشرة لاتباع الهوى؛ فليس هناك تكذيب ناشئ عن دليل عقلي قطعي، بل الهوى هو المحرك الأول، فإذا غلب الهوى أعقبه التكذيب الصريح بالحقائق.
التعقيب بالحكمة الكلية: {وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ}؛ يمثل سداً مانعاً أمام القلق والاضطراب؛ فرغم تكذيبهم وعنادهم فإن الحق سينتصر والباطل سيزهق، لأن نواميس الله وقضاءه الحتمي مستقران في غاياتهما المرسومة في الأزل.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تفكيك العلاقة بين المعرفة العقلية والهوى:
هل يكفر الإنسان لأنه لا يعلم؟
الجواب القرآني: كثير من الناس يعلمون الحق يقيناً ولكنهم يتبعون أهواءهم رغبة في الرئاسة والشهوة والعصبية، كما قال تعالى: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا}؛ فالآية تكشف أن علة كفار مكة لم تكن غياب الأدلة بل اتباع الهوى {وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ}.
قانون الاستقرار الكوني: الباطل مهما انتفش وزبد، وأهل الضلال مهما حشدوا من قوى، فإن حركتهم طارئة عارضة؛ والاستقرار الحقيقي محكوم بسنن الله العادلة؛ فالعاقبة للتقوى، والهلاك للظلم، وكل أمر سيصل إلى غايته التي قدرها الله له.
الإطلاق في {وَكَذَّبُوا}: حذف المفعول به لإطلاق التكذيب؛ ليدل على أن التكذيب صار سجية راسخة وطبيعة متأصلة فيهم.
الإيجاز الإعجازي في {وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ}: أربع كلمات فقط أسست لأعظم فلسفة للتاريخ والقدر والمآلات؛ فكل صراع، وكل حركة، وكل عمل خير أو شر، له مستقر ومستودع ينتهي إليه ويقضى فيه بعدل الله.
الإشارة التدبرية: الهوى إله متبع يحجب صاحبه عن نور السماوات والأرض؛ فمن أراد أن يبصر الحق فليجرد قلبه من شهواته وأهوائه المسبقة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
محاربة الهوى وتزكية النفس: دعوة المسلم إلى محاسبة نفسه في كل موقف؛ هل تحركه محبة الله ورسوله والبحث عن الحق، أم يحركه حب الظهور والانتصار للنفس والتعصب الأعمى؟
الثقة والسكينة في معارك الحق والباطل: استشعار الداعية الطمأنينة بأن جولة الباطل ساعة وجولة الحق إلى قيام الساعة؛ فكل أمر سيستقر في مكانه الصحيح بوعد الله الحق.
الجدية في الحياة: إدراك أن الأعمال لا تضيع في العدم، بل هي مستقرة في كتاب مسطور يلقاه العبد يوم الدين.