هذا هو الموضع الرابع والأخير للازمة التيسير والادكار في سورة القمر؛ يأتي في ختام المشاهد الأربعة المفصلة لمصارع الأمم (نوح، عاد، ثمود، قوم لوط)؛ ليكون مسك الختام لنداء الرحمة الإلهية المفتوحة لكل بني الإنسان.
روى الطبري في جامع البيان (ج ٢٢، ص ٥٣٠)مصدر غير محدد٢٢/٥٣٠ عن قتادة في قوله: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ}: قال: كرر الله تبارك وتعالى هذا الترغيب والتحضيض أربع مرات في هذه السورة؛ ليرسخ في القلوب نعمة هذا القرآن وتيسيره، ولئلا يبقى لأحد عذر؛ فهل من مقبل على كتاب الله فيجد التيسير والنجاة من تلك المصارع الرهيبة؟!
وذكر ابن كثير في تفسيره (ج ٧، ص ٤٥٣)مصدر غير محدد٧/٤٥٣: هذا الموضع الرابع في السورة يختم به قصص الأمم الهالكة بتكرار الحث على حفظ القرآن وتدبره والعمل بمواعظه وزواجره؛ بياناً لأن في القرآن غنية وكفاية لكل طالب هدى.
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ١٠١)مصدر غير محدد١٧/١٠١: ختمت قصص الأمم المكذبة الأربع بهذه الآية الكريمة؛ تأكيداً على أن التذكير بالقرآن هو حبل النجاة الوحيد الممدود للبشرية من الغرق والريح والصيحة والحاصب.
وفي التحرير والتنوير: تكرار الآية أربع مرات يعطي السورة طابعاً موسيقياً وفكرياً موحداً؛ يجعل كل قصة منتهية بنفس النتيجة الحكيمة؛ وهي الإقبال على القرآن الميسر للذكر.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَلَقَدْ}: الواو واو القسم، اللام للتوكيد، قد حرف تحقيق.
{يَسَّرْنَا}: فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بنا، و(نا) فاعل يعود على العظمة الإلهية.
{الْقُرْآنَ}: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة.
قمة الترديد البياني والتطريب الروحي: هذا التكرار يملأ نفس القارئ والمستمع بنغمة عذبة تهز الأركان؛ فكلما خافت النفس من هول مشهد، أتاها هذا النداء الودود الميسر ليردها إلى بر الأمان.
الاستفهام التحضيضي المتكرر {فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ}: نداء مفتوح لكل الأجيال والقرون؛ لا حجة لمعتذر ولا عذر لغافل، فالكتاب مبذول ميسر والرب رحيم ودود.
الإشارة التدبرية: من لم يزدجر بهذه الآيات الأربع المتكررات فقد رانت على قلبه الذنوب؛ فليستغفر ربه وليعد إلى تلاوة كتابه بتدبر وحضور قلب.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
لزوم القرآن في كل شؤون الحياة: وصية جامعة للمسلمين بالتمسك بكتاب الله؛ فهو النور في الظلمات، والعاصم من الفتن، والزاد في السير إلى الله.
التفاؤل واليقين بنصرة القرآن: الثقة التامة بأن هذا القرآن ميسر محفوظ، وأن كل محاولات محاربته أو حجبه عن الناس ستبوء بالفشل؛ فالله قد يسر ذكره في الخافقين.
التطبيق العملي للمواعظ: ألا يقتصر المسلم على الإعجاب اللفظي ببلاغة القرآن، بل يترجم الذكر إلى أخلاق واستقامة وطاعة وسلوك قويم.