بعد أن طوف القرآن الكريم بالنفوس في مشاهد الهلاك الدامغ لخمس من أعتى الأمم المكذبة (قوم نوح، عاد، ثمود، قوم لوط، وآل فرعون)، يلتفت السياق التفاتاً مباغتاً قاهراً إلى كفار قريش ومشركي العرب، ليعرضهم على ميزان العقل والمنطق والتاريخ.
روى الطبري في جامع البيان (ج ٢٢، ص ٥٣٣)مصدر غير محدد٢٢/٥٣٣ عن قتادة في قوله تعالى: {أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُولَٰئِكُمْ أَمْ لَكُم بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ}: قال: يقول الله تعالى لقريش: أكفاركم يا معشر قريش خير من أولئكم الذين مضوا من الأمم المكذبة كقوم نوح وعاد وثمود؛ أأنتم أعز نفراً، أم أشد بطشاً، أم أكثر أموالاً وأولاداً؟ لا والله! أم لكم براءة في الزبر؛ أي أم أُنزلت عليكم براءة وأمان من العذاب في الكتب الإلهية السابقة كالتوراة والإنجيل والزبور؟ لا والله ما كان ذلك! فإذا لم تكونوا خيراً منهم ولا لكم أمان من الله، فما الذي يدفع عنكم عذاب الله إن أصررتم على كفركم؟
وذكر ابن كثير في تفسيره (ج ٧، ص ٤٥٤)مصدر غير محدد٧/٤٥٤: يقول تعالى مقرعاً لمشركي قريش وموبخاً لهم على تكذيبهم لرسوله محمد ﷺ خاتم الأنبياء: {أَكُفَّارُكُمْ} أيها العرب {خَيْرٌ مِّنْ أُولَٰئِكُمْ} الذين تقدم ذكر إهلاكهم، فإذا لم يكونوا خيراً منهم في الشرف ولا القوة، ولم تكن لهم براءة من الله في الكتب المنزلة، فكيف يأمنون أن ينزل بهم ما نزل بأولئك؟
وقال القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (ج ١٧، ص ١٠٣)مصدر غير محدد١٧/١٠٣: الخطاب لقريش ولجميع الكفار؛ والاستفهام للإنكار والتقريع؛ أي ليس كفاركم خيراً من كفار الأمم السابقة فندفع عنهم العذاب لفضلهم، ولا أنتم معصومون بوثيقة وبراءة مكتوبة في الكتب السابقة، فلا عاصم لكم إذن من بطش الله إلا الإيمان والتوبة.
وبين ابن عاشور في التحرير والتنوير أن هذا الالتفات من حكاية مصارع الأمم إلى خطاب المشركين الحاضرين هو الغرض الأساسي الذي سيقت من أجله تلك القصص؛ وهو حصر الخصم بين نقيضين باطلين لا ثالث لهما: فضل الذات، أو عهد النجاة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{أَكُفَّارُكُمْ}: الهمزة للاستفهام الإنكاري التوبيخي، كفار مبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة وهو مضاف، والكاف ضمير متصل مبني في محل جر مضاف إليه، والميم علامة جمع الذكور، والخطاب لأهل مكة.
{خَيْرٌ}: خبر المبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، وهو اسم تفضيل حذفت همزته لكثرة الاستعمال؛ أي أشد قوة ومناعة وفضلاً.
{مِّنْ أُولَٰئِكُمْ}: من حرف جر، أولاءِ اسم إشارة مبني على الكسر في محل جر بمن، والكاف للخطاب، والمشار إليهم هم الأمم الخمس المذكورة آنفاً، والجار والمجرور متعلق بخير.
{أَمْ}: حرف عطف منقطع بمعنى (بل) والهمزة، للإضراب الانتقالي والاستفهام الإنكاري.
{لَكُم}: اللام حرف جر، والكاف ضمير متصل في محل جر باللام والميم للجمع، وشبه الجملة في محل رفع خبر مقدم.
{فِي الزُّبُرِ}: في حرف جر، الزبر اسم مجرور بفي وعلامة جره الكسرة الظاهرة، وهو جمع زَبور وهو الكتاب المزبور أي المكتوب المنقوش من كتب الله السماوية، وشبه الجملة متعلق بنعت محذوف لبراءة أو ببراءة نفسها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أبدع هذا التناسب والارتباط النظمي المعجز!
لما عرضت الآيات السابقة صور هلاك الأمم بتفصيل رهيب (الطوفان، الريح الصرصر، الصيحة، الحاصب، أخذ العزيز المقتدر لآل فرعون).
نقل السياق الحديث مباشرة بمواجهة حاسمة: {أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُولَٰئِكُمْ}.
هذا الانتقال يضع كفار قريش أمام المرآة التاريخية؛ فليسوا بدعاً من البشر، وسنة الله في المكذبين واحدة لا تحابي أحداً، فإن لم يكونوا خيراً من الفراعنة وعاد، فالهلاك قادم لا محالة.
التقسيم المنطقي الحاصر للنجاة: النجاة إما أن تكون بقوة ذاتية تدفع العذاب، وإما بعهد خارجي يحمي صاحبه؛ والآية نفت الأمرين معاً بنفي قاطع: لا قوة لديكم، ولا وثيقة أمان في كتب السماء!
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
دحض وهم الاستثناء والخصوصية العرقية:
كان كفار قريش يغترون بجوار البيت الحرام وكونهم أهل الحرم وعمار البيت، فيظنون أن الله لن يعذبهم ولن يستأصلهم كالأمم الأخرى.
فجاءت الآية تسلب هذا الوهم؛ فالتكذيب بالرسل يسقط كل شرف مزعوم؛ وعمارة البيت لا تنفع مع الشرك والصد عن سبيل الله، وسنة الله الكونية لا تتخلف: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}.
الحجاج العقلاني الإلزامي: استخدام صيغة السؤال الإلجائي؛ فالجواب حتمي من المشركين أنفسهم: (لسنا خيراً منهم، ولا نملك براءة مكتوبة)؛ فيلزمهم الاعتراف بالاستحقاق المماثل للعقوبة إن لم يؤمنوا.
الإشارة بـ{أُولَٰئِكُمْ}: اسم الإشارة للبعيد يدل على بعد منزلتهم في الهلاك وسحيق مصيرهم؛ فأنتم ترون آثارهم وديارهم في رحلتي الشتاء والصيف فكيف تغفلون؟
التنكير في {بَرَاءَةٌ}: تنكير للتقليل والتحقير؛ أي ليس لكم أدنى براءة ولا أقل صك أمان يعصمكم من الله.
الإشارة التدبرية: لا ينبغي لمسلم أن يغتر بنسبه أو وطنه أو عمله؛ فلا أحد يملك صك براءة من النار إلا برحمة الله وتوفيقه؛ فالنجاة معلقة بالإيمان والعمل الصالح الخالص.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
محاكمة النفوس بالسنن الكونية: دعوة الداعية والمربي إلى استخدام التاريخ ومصارع الغابرين كبراهين عقلية يقينية لكسر غرور المستكبرين.
التحرر من أوهام الأمان الكاذب: التحذير من الاتكال على الأمجاد التاريخية أو الأنساب الشريفة؛ فإن أبا لهب عم النبي ﷺ نزل فيه قرآن يتلى في عذابه، وبلالاً الحبشي نال الرفعة بتقواه.
وجوب محاسبة النفس والوجل الدائم: استشعار العبد لافتقاره إلى عفو ربه؛ فلا براءة مكتوبة لأحد من عذاب الله إلا من أتاه الله بقلب سليم.