ترسم الآية الكريمة مشهداً حسياً بالغ الروعة والرهبة لخروج الكافرين والمكذبين من قبورهم عند سماع صوت الداعي، وتصف انكسارهم التام وتخبطهم كأسراب الجراد المنتشر في الآفاق.
روى الطبري في جامع البيان (ج ٢٢، ص ٥٠٣)مصدر غير محدد٢٢/٥٠٣ عن قتادة ومجاهد في قوله: {خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ}: قال: خشعاً أي ذليلة خاضعة منكسرة لا ترفع طرفها من شدة الخزي والهول، {مِنَ الْأَجْدَاثِ} قال: من القبور، {كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ} قال: شبههم بالجراد لكثرتهم وتفردهم وتداخلهم وتموج بعضهم في بعض واضطرابهم، لا يهتدون لوجهة محددة من شدة الفزع.
وذكر ابن كثير في تفسيره (ج ٧، ص ٤٤٦)مصدر غير محدد٧/٤٤٦: أي ذليلة حقيرة أبصارهم من شدة الخوف وعظيم الهول، لا يقدرون على التحديق ولا على رفع رؤوسهم؛ يخرجون من قبورهم سراعاً كأنهم في كثرتهم وتموجهم وتفرقهم واضطرابهم جراد منتشر قد ملأ الفضاء والسهول والآكام.
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ٨٧)مصدر غير محدد١٧/٨٧: الأجداث جمع جدث، وهو القبر في لغة العرب؛ وخص الأبصار بالخشوع لأن الذل والخوف والعزة تظهر أول ما تظهر في العين، فالعين مرآة انكسار القلب وخزيه.
وقرأ حمزة والكسائي وأبو عمرو: {خَاشِعًا أَبْصَارُهُمْ} بالإفراد على إسناد الفعل أو الوصف إلى الظاهر الجمع؛ وقرأ الباقون: {خُشَّعًا} بالجمع على أنه حال من فاعل يخرجون أو خبر مقدم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{خُشَّعًا}: حال منصوبة من واو الجماعة في {يَخْرُجُونَ} مقدمة عليها للاهتمام بالهيئة المذلة، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة، وخُشّع جمع خاشع كراكع وركّع، والخشوع في الأصل السكون والتطامن والانخفاض مع الذل والخوف.
{أَبْصَارُهُمْ}: فاعل لاسم الفاعل أو الصفة المشبهة خُشّعاً مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة وهو مضاف، والهاء مضاف إليه والميم للجمع.
{يَخْرُجُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل مبني في محل رفع فاعل، والجملة في محل نصب حال ثانية، أو استئنافية.
{مِنَ}: حرف جر لابتداء الغاية المكانية.
{الْأَجْدَاثِ}: اسم مجرور بمن وعلامة جره الكسرة الظاهرة، والجار والمجرور متعلق بالفعل يخرجون، والأجداث جمع جدث بالتحريك وهو القبر.
{كَأَنَّهُمْ}: كأن حرف تشبيه ونصب من أخوات إن، والهاء ضمير متصل مبني في محل نصب اسمها، والميم للجمع.
{جَرَادٌ}: خبر كأن مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، والجراد الحشرة الطيارة المعروفة، وسمي جراداً لأنه يجرد الأرض ويأكل نباتها.
{مُّنتَشِرٌ}: نعت لجراد مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، وصيغته اسم فاعل من انتشر ينتشر انتشاراً، إذا انبث وتفرق في كل وجه وملأ الأفق اضطراباً وكثرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أروع هذه اللوحة البصرية المتحركة في تصوير البعث!
بدأ بهيئة الانكسار النفسي والروحي الباطن الظاهر في الأعين: {خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ}.
ثم بحركتهم السريعة المفاجئة من باطن الأرض إلى ظاهرها: {يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ}.
ثم بالصورة الجمعية المذهلة لكثرتهم وتخبطهم وتداخلهم: {كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ}.
التناسب البديع مع تكبرهم في الدنيا: كانوا في الدنيا يستكبرون ويقولون سحر مستمر ويعلون برؤوسهم في أندية مكة تيهاً وخيلاء؛ فجاء مشهد البعث ليذل تلك الرؤوس وتخشع تلك الأعين، وتتساوى الملوك والصناديد في صورة جراد مبثوث تائه في الفيافي.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
المقارنة بين تشبيهي القيامة (الجراد والفراش):
ورد في سورة القارعة: {يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ}، وورد هنا: {كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ}؛ فكيف نجمع بين التشبيهين؟
الموطن الأول: عند أول النفخ وخروجهم المباغت من القبور؛ يخرجون في دهشة وحيرة مطلقة يتخبط بعضهم في بعض ويتهافتون بلا قصد ولا وعي كالفرّاش المتطاير الحائر الذي يتساقط في النار لفرط دهشته وذهوله.
الموطن الثاني: بعد ثوانٍ عند انطلاقهم وسيرهم واستجابتهم لصوت الداعي؛ فإنهم يسيرون في أسراب هائلة متدفقة يتبع بعضها بعضاً في اتجاه واحد لا ينقطع ولا ينثني، كما تسير أسراب الجراد المنتشر المنقاد، فاجتمع في المشهدين كمال الحيرة وكمال الكثرة والانقياد.
التشبيه التمثيلي البديع في {كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ}: تشبيه لصورة خروج الملايين من تحت أطباق الثرى بصورة خروج الجراد وتكاثفه حين يخرج من بيضه في الأرض منتشراً في الآفاق؛ حيث يملأ الأفق كثافة وحركة واضطراباً وخفة.
تقديم الحال {خُشَّعًا} على فاعلها {أَبْصَارُهُمْ}: لإبراز صفة الذل والهوان وجعلها الملحظ الأول الذي يراه الناظر في وجوههم قبل أي حركة.
الإشارة التدبرية: الأبصار التي استعلت عن النظر في آيات الله في الدنيا، وصرفت طرفها عن الحق كبراً، ستنكسر في الآخرة ذلاً وخزياً؛ فالجزاء من جنس العمل.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
كسر الكبر والخيلاء: تذكر الإنسان لمصيره الحتمي؛ فكل قوي سيصير إلى جدث، وكل متكبر سيخرج ذليلاً كحشرة ضعيفة؛ فما أجدر العاقل بالتواضع لرب العالمين وللخلق.
الاستعداد ليوم الخروج: إحياء الخوف من موقف البعث وعذاب القبر، وسؤال الله تعالى الأمان يوم الفزع الأكبر، وأن يجعل أعيننا من النواظر المستبشرة بنور وجهه الكريم.
مراقبة البصر وحفظه: تربية المسلم على غض بصره عن المحرمات وإخضاع طرفه لخشية الله في الدنيا؛ ليكون من الآمنين الذين تسفر وجوههم غداً ضاحكة مستبشرة.