هذا ختام نبأ عاد، تكرار للاستفهام التقريري والتهويلي المهيب الذي يدعو إلى معاينة نتائج التكذيب وصدق النذارة الإلهية.
روى الطبري في جامع البيان (ج ٢٢، ص ٥١٧)مصدر غير محدد٢٢/٥١٧ عن قتادة في قوله: {فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ}: قال: كرر الله تبارك وتعالى هذا التخويف والتهويل على عباده ليحذروا مثل مصارع الأمم الهالكة، أي فكيف رأيتم عذابي لأهل الكفر بي وبطشي بهم؟ وكيف رأيتم صدق ما أنذرتهم به رسلي؟!
وذكر ابن كثير في تفسيره (ج ٧، ص ٤٤٩)مصدر غير محدد٧/٤٤٩: أي كيف كان نكالي بتلك الأمة الجبارة التي كذبت رسولها واستكبرت في الأرض؟ ألم يكن عذاباً واقعاً قاصماً؟ ألم تكن نذري حقاً؟!
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ٩٦)مصدر غير محدد١٧/٩٦: تكرير الآية للتأكيد والوعظ البليغ وطرق الأسماع؛ ليقرر في النفوس شناعة العذاب وصدق الرسل في كل قصة وحادثة.
وفي التحرير والتنوير: تكرار الجملة بحروفها في سياق كل قصة ليس تكراراً صورياً بل هو تجديد للاستدلال والتهويل؛ فكل أمة لها عذاب ونذر تناسب حالها، فيكون الاستفهام منصباً على خصوص ذلك المشهد المستعرض.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{فَكَيْفَ}: الفاء فصيحة، كيف اسم استفهام مبني على الفتح في محل نصب خبر كان مقدم.
{كَانَ}: فعل ماض ناقص مبني على الفتح الظاهر.
{عَذَابِي}: اسم كان مؤخر مرفوع بالضمة المقدرة على ما قبل ياء المتكلم، والياء مضاف إليه.
{وَنُذُرِ}: الواو عاطفة، نُذُر معطوف مرفوع بالضمة المقدرة على ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف وفواصل الآي، والكسرة دليل عليها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أروع هذا الإحكام النظمي!
بدأت قصة عاد في الآية (١٨) بقوله: {كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ}.
ثم فُصّل العذاب بالريح الصرصر ونزع الناس كأعجاز نخل منقعر في الآيتين (١٩ و٢٠).
ثم خُتمت القصة في الآية (٢١) بإعادة الاستفهام نفسه: {فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ}.
هذا الإطباق التصديري والختامي يحيط القصة بهالة من الرعب والهيبة ويجعل العذاب هو المحور المهيمن على الذاكرة والوجدان، ممهداً لإلقاء آية التيسير والرحمة في الآية التالية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
سر التكرار في القرآن الكريم:
يتوهم الطاعنون أن تكرار الجملة القرآنية في مواضع متقاربة نوع من الحشو أو التكرار الإنشائي!
والتحقيق البلاغي الصارم يرد هذا التوهم:
التكرار في مقام الترهيب والإنذار من أعظم أساليب البلاغة والفصاحة في جميع اللغات؛ كالقائد العسكري الذي يكرر التحذير لجنوده عند كل موقعة، أو القاضي الذي يكرر التنبيه في كل حكم.
كل موضع يحمل مدلولاً جديداً؛ فالاستفهام الأول في قصة نوح كان عما جرى في الطوفان وإغراق العالم، والاستفهام هنا عما جرى في الريح واقتلاع الجبابرة؛ فالمعنى متجدد بالنظر إلى ما تقدمه من تفصيل معجز.