تأتي هذه الآية الكريمة توكيداً وتفصيلاً للآية السابقة؛ لتقطع كل شك أو تردد في شأن عموم الإحصاء واستيعابه؛ فليس المسجل هو الأعمال الجليلة والذنوب العظام والكبائر فقط، بل حتى أدق الخفايا واللمم والخطرات والصغائر مسجلة مسطورة.
روى الطبري (ج ٢٢، ص ٥٤٤)مصدر غير محدد٢٢/٥٤٤ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة في قوله: {وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ}: قال: كل شيء من صغير الذنوب وكبيرها، وصغير الأعمال وجليلها، مكتوب في أم الكتاب ومسطور في صحف الأعمال؛ لا يترك صغيرة ولا كبيرة إلا أثبتها؛ مستطر: مسطور مكتوب.
وذكر ابن كثير (ج ٧، ص ٤٥٩)مصدر غير محدد٧/٤٥٩: أي كل شيء من الأعمال صغيرها وكبيرها، قليلها وكثيرها، مكتوب مسطر، مأخوذ من السطر وهو الخط المكتوب في الصحف؛ لا ينسى منه قليل ولا كثير؛ كما قال تعالى: {وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا}.
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ١٠٩)مصدر غير محدد١٧/١٠٩: {مُّسْتَطَرٌ} أي مسطور مكتوب في اللوح المحفوظ وفي صحف الملائكة، يقال: سطرت الشيء وسطّرته واستطرته إذا كتبته؛ وأصله مستتر بالتاء، فقلبت التاء طاء لمجاورة الصاد والطاء؛ والمعنى: لا يعزب عن علم الله ولا عن كتابته مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء.
وأوضح السعدي في تفسيره (ص ٨٢٧)مصدر غير محدد٨٢٧: كل ما يصدر من العباد من أقوال وأفعال، وما هو صادر في الكون من حوادث، صغيرها وحقيرها وكبيرها وجليلها، مستطر في الكتب الإلهية؛ فليحذر العبد من احتقار الذنوب الصغار؛ فإنها تجمع على المرء حتى تهلكه.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{وَكُلُّ}: الواو عاطفة أو استئنافية، كل مبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة وهو مضاف.
{صَغِيرٍ}: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة، وهو صفة لموصوف محذوف تقديره (وكل ذنب أو عمل صغير).
{وَكَبِيرٍ}: الواو حرف عطف، كبير معطوف على صغير مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة.
{مُّسْتَطَرٌ}: خبر المبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة؛ وهو اسم مفعول على وزن (مُفْتَعَل) من سطر، وأصله (مُسْتَتَر) قلبت التاء طاء لتناسب الطاء المستعلية، ومعناه: مسطور ومثبت في السطور والكتب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أبلغ هذا التدرج في التوكيد والتعميم!
في الآية (٥٢) قرر العموم بالفعل: {وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ}.
ثم في الآية (٥٣) فصّل في أجزاء هذا العموم بالصفات والمقادير: {وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ}.
لأن الذهن البشري قد يظن أن الإحصاء يقتصر على الكبائر والأمور العظام (كالحروب، والقتل، والشرك)، ويغفل عن الصغائر والنظرات والكلمات الخاطفة.
فجاء التنبيه صريحاً بتقديم {صَغِيرٍ} على {كَبِيرٍ}؛ لكسر هذا الوهم، وتأكيد أن الصغائر مدونة ومسطورة كالكبار تماماً.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
خطورة استصغار الذنوب وأثرها في الهلاك:
روى الإمام أحمد بإسناد حسن عن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ، فَإِنَّهُنَّ يَجْتَمِعْنَ عَلَى الرَّجُلِ حَتَّى يُهْلِكْنَهُ»، وضرب لذلك مثلاً بقوم نزلوا أرضاً فجاء هذا بعود وهذا بعود حتى أنضجوا خبزتهم.
فالصغيرة إذا أصر عليها العبد صارت كبيرة، والآية تؤكد أن كل صغيرة مستطرة في كتاب محفوظ، مما يوجب الحذر التام من الاستهانة بأي مخالفة شرعية.
عموم الاستطار في اللوح المحفوظ: يرى بعض المفسرين أن {وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ} يعم كل حوادث الكون وأرزاقه وآجاله وأفعال مخلوقاته؛ فكل نبتة تنبت، وقطرة تسقط، ونجم يدور، مسطور في اللوح المحفوظ؛ مما يبرز عظمة القيومية الإلهية.
الطباق البديعي في {صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ}: الجمع بين الضدين يستوعب كل ما بينهما من المراتب؛ فالمعنى: كل عمل مهما صغر أو عظم.
الإعجاز الصرفي في صيغة (مُسْتَطَر): صيغة الافتعال تدل على تمكن الكتابة وثبوتها واستقرارها في السطور بحيث لا تمحى ولا تتلاشى.
الإشارة التدبرية: تقديم الصغير على الكبير فيه إيقاظ عجيب للقلوب؛ فالإنسان بطبعه يهاب الكبائر ويتساهل في الصغائر؛ فبدأ بالصغير ليكون أوقع في الحذر والوجل والمحاسبة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
محاصرة محقرات الذنوب بالتوبة المستمرة: الحذر من التساهل في صغار الآثام، كالغيبة العابرة، أو النظرة المحرمة، أو الكلمة الجارحة؛ فكلها مستطرة في الصحائف.
عدم احتقار أي معروف: كما أن الصغير من الشر مستطر، فكذلك الصغير من الخير مسطور ومضاعف عند الله؛ كابتسامة في وجه أخيك، أو إماطة أذى عن الطريق، أو تسبيحة في خلوة: {فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ}.
دوام الاستغفار وتجديد العهد مع الله: المبادرة بمحو ما استُطر من سيئات قبل أن تنشر الصحف وتوضع الموازين القسط.