تبين الآية الكريمة سر نجاة السفينة في ذلك المحيط الهادر؛ حيث جرت بحفظ الله وكلاءته وحراسته التامة، لتكون جزاءً ونصرة لنوح عليه السلام الذي كُفر وجُحدت دعوته.
روى الطبري في جامع البيان (ج ٢٢، ص ٥١٠)مصدر غير محدد٢٢/٥١٠ عن قتادة ومجاهد في قوله: {تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا}: قال: تجري بحفظنا وكلاءتنا ومرأى منا، لا يعرض لها غرق ولا غرق من فيها، {جَزَاءً لِّمَن كَانَ كُفِرَ}: قال: كان نوح كُفر فجحد قومه نبوته ورسالته، فجعل الله غرق قومه ونجاته في السفينة جزاءً لنوح وانتصاراً له بعدما كُذب.
وذكر ابن كثير في تفسيره (ج ٧، ص ٤٤٧)مصدر غير محدد٧/٤٤٧: أي بأمرنا وبمرأى منا وتحت حراستنا وحفظنا تجري تلك السفينة في تلاطم الأمواج؛ {جَزَاءً لِّمَن كَانَ كُفِرَ} أي ثواباً وانتصاراً لنوح عليه السلام الذي كفره قومه وجحدوا نعمته وصدق رسالته، فكافأه الله بإنجائه وإهلاك من آذاه.
وقرأ الجمهور: {جَزَاءً لِّمَن كَانَ كُفِرَ} بضم الكاف وكسر الفاء مبنياً للمجهول؛ أي لمن كان كفره القوم وجحدوه وهو نوح؛ وقرئ في الشواذ بفتح الكاف والفاء {كَفَرَ}؛ أي جزاء وعقاباً لمن كان كفر بالله وأصر على شركه، فتكون النقمة جزاء للكافر، والأولى أظهر في سياق نجاة نوح وإكرامه.
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ٩٢)مصدر غير محدد١٧/٩٢: الباء في {بِأَعْيُنِنَا} سببية أو للملابسة؛ أي ملتبسة بحراستنا وحفظنا، وجمع الأعين لإفادة التعظيم وكمال الحفظ من جميع الجهات.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{تَجْرِي}: فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الياء للثقل، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود على السفينة، والجملة الفعلية في محل نصب حال من ذات ألواح أو مستأنفة.
{بِأَعْيُنِنَا}: الباء للملابسة، أعين اسم مجرور بالباء وهو مضاف، و(نا) ضمير متصل مبني في محل جر مضاف إليه يعود على العظمة الإلهية، والجار والمجرور متعلق بمحذوف حال من فاعل تجري؛ أي متلبسة بحفظنا ورعايتنا.
{جَزَاءً}: مفعول لأجله منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة، أو مفعول مطلق لفعل محذوف تقديره: جزيناه جزاءً، أو حال.
{لِّمَن}: اللام حرف جر للاستحقاق، و(من) اسم موصول مبني على السكون في محل جر باللام، والجار والمجرور متعلق بجزاء.
{كَانَ}: فعل ماض ناقص مبني على الفتح، واسمها ضمير مستتر يعود على نوح عليه السلام.
{كُفِرَ}: فعل ماض مبني للمجهول مبني على الفتح الظاهر، ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره هو، والجملة الفعلية في محل نصب خبر كان، وجملة كان واسمها وخبرها صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أشد ترابط النظم بين الآية (١٠) والآية (١٤)!
في الآية العاشرة دعا نوح فقال: {فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانتَصِرْ}.
وفي هذه الآية جاء الجواب الإلهي المصرح بالوفاء: {جَزَاءً لِّمَن كَانَ كُفِرَ}؛ فكان إغراق الظالمين وإنجاء نوح هو الانتصار الموعود والجزاء الأوفى الذي عوّض به الله وليه عما لاقاه من الكفران والازدجار.
التعبير بالفعل المضارع {تَجْرِي}: لاستحضار المشهد العجيب؛ كأن السامع ينظر إلى السفينة وهي تشق عباب الطوفان المتلاطم بأعين الله وحفظه، والأرض كلها تغرق من حولها.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
تقرير عقيدة السلف في صفة (العين):
أثبت أهل السنة والجماعة صفة العينين لله تعالى على ما يليق بجلاله وكماله بلا تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل.
والمعنى اللغوي والبياني لقوله: {بِأَعْيُنِنَا} يدل قطعاً على المراقبة التامة والحفظ المعصوم والحراسة التي لا تغفل ولا تنام؛ فالسفينة لم تكن مهملة للرياح والأمواج العاتية تتلاعب بها، بل كانت محفوظة بعين الله التي تكلؤها وتدير دفتها وترعاها حتى استوت على الجودي.
دلالة البناء للمجهول في {كُفِرَ}: إبراز عظم الجرم؛ فنبي الله نوح كان أعظم نعمة مهداة إلى قومه لينقذهم من النار؛ فأن يكفروه ويجحدوا نعمته فذلك منتهى اللؤم والجحود، فناسب أن يعوضه الله بالنصرة التامة وخلود الذكر.
الاستعارة التمثيلية في {تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا}: تشبيه حفظ الله ورعايته للسفينة بحال من يراقب الشيء الثمين بعينيه خشية أن يمسه سوء؛ وهو أبلغ ما يعبر به عن كمال العناية والأمن المطلق.
المقابلة البلاغية بين الكفران والجزاء: كفروا نوحاً وجحدوا فضله، فجازاه الله بالإنجاء وخلود الذرية وإهلاك أعدائه؛ ليعلم كل مؤمن أن من كفره أهل الأرض حفظه رب السماء.
الإشارة التدبرية: من كان في عين الله ورعايته فلن تضره بحور الفتن ولا مكائد الأعداء؛ فالمهم أن تكون في معية الله بحفظ أوامره واجتناب زواجره.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
عزاء المصلحين عند جحود الناس: تسلية لكل مصلح يبذل الخير لأمته ويقابل بالنكران والتكذيب؛ فالجزاء الحقيقي ليس من الناس بل من الله المنّان الذي لا يضيع أجر المحسنين.
الركون إلى معية الله وحفظه: غرس السكينة واليقين في نفوس أهل الإيمان بأنهم في حفظ الله وكلاءته ما داموا مستمسكين بدينه وشريعته.
شكر النعم والحذر من كفرانها: التحذير من رد نصائح العلماء والدعاة وكفران نعم الهداية؛ فإن كفران النعم يستجلب النقم والهلاك.