هذه الآية الكريمة من أعظم دلائل النبوة وبراهين صدق الرسالة المحمدية؛ حيث أعلنت الهزيمة الساحقة لجمع المشركين وتوليتهم الأدبار قبل وقوع معركة بدر بسنوات عديدة، حين كان المسلمون بمكة مستضعفين لا يملكون شوكة ولا جيشاً.
روى البخاري في صحيحه (كتاب التفسير، باب قوله: سيهزم الجمع ويولون الدبر، حديث رقم ٤٨٧٥)مصدر غير محددحديث رقم ٤٨٧٥ عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما: قال: قال النبي ﷺ وهو في قبة يوم بدر: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَنْشُدُكَ عَهْدَكَ وَوَعْدَكَ، اللَّهُمَّ إِنْ شِئْتَ لَمْ تُعْبَدْ بَعْدَ اليَوْمِ أَبَدًا»، فَأَخَذَ أَبُو بَكْرٍ بِيَدِهِ فَقَالَ: حَسْبُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَدْ أَلْحَحْتَ عَلَى رَبِّكَ، وَهُوَ فِي الدِّرْعِ، فَخَرَجَ وَهُوَ يَقُولُ: {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ * بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَىٰ وَأَمَرُّ}.
وروى ابن أبي حاتم وابن جرير الطبري (ج ٢٢، ص ٥٣٥)مصدر غير محدد٢٢/٥٣٥ عن عكرمة قال: لما نزلت: {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ}، قال عمر بن الخطاب: "أي جمع يهزم؟ وأي جمع يُغلب؟"؛ فلما كان يوم بدر ولبس رسول الله ﷺ درعه وتلاها، قال عمر: "فعرفت حينئذ تأويلها، وعلمت أن الله قد حقق وعده وصدق نبيه".
وقال ابن كثير (ج ٧، ص ٤٥٥)مصدر غير محدد٧/٤٥٥: كان هذا إخباراً من الله تعالى بغيب مستقبلي يقع في دار الدنيا، وهو كسر شوكة كفار قريش وتمزيق جمعهم في وقعة بدر، وتوليتهم الأدبار هاربين مقتولين مأسورين، بعد أن ادعوا أنهم جمع منتصر.
وذكر القرطبي (ج ١٧، ص ١٠٤)مصدر غير محدد١٧/١٠٤: السين في {سَيُهْزَمُ} تدل على الاستقبال والتأكيد؛ وكانت هذه البشارة تثبيتاً لقلوب المؤمنين بمكة في حال ضعفهم، ووعيداً صارماً للمشركين في حال جبروتهم، وتحققت بحذافيرها يوم الفرقان يوم التقى الجمعان.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{سَيُهْزَمُ}: السين حرف استقبال وتوكيد، يهزم فعل مضارع مبني للمجهول (لما لم يسم فاعله) مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، وبناؤه للمجهول للدلالة على أن الهزيمة قدر نازل حتمي بأي وسيلة ومن كل جهة.
{الْجَمْعُ}: نائب فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، وهو الجمع الذي ادعوا أنه منتصر في قوله: {نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ}؛ فجاء التعبير باللفظ نفسه لإسقاط كبريائهم.
{وَيُوَلُّونَ}: الواو حرف عطف، يولون فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل مبني في محل رفع فاعل، ومعنى تولية الدبر: الهروب والإدبار في المعركة مخلفين وراءهم ظهورهم.
{الدُّبُرَ}: مفعول به ثان منصوب (لأن ولى يتعدى إلى مفعولين، والمفعول الأول محذوف تقديره يولون العدو الدبر، أو الدبر مفعول به منصوب بتقدير: يجعلون أدبارهم أمام القتال، أو منصوب بنزع الخافض أي على أدبارهم)، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة، والمراد بالدبر هنا الجنس؛ أي يولون الأدبار منهزمين.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أعظم هذا التقابل البياني والنظمي الصاعق!
قالوا في الآية (٤٤): {نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ}.
فرد الله عليهم في الآية (٤٥) بذات اللفظ نقيضاً تاماً: {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ}.
هذا التطابق اللفظي والرد النقيضي يمثل أعلى درجات البلاغة العربية والإفحام العقلي المعجز؛ حيث هدم بنيانهم من أصله وبدد وهمهم بكلمات معدودات.
التدرج من الهزيمة العامة {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ} إلى تصوير الهرب والذلة الفردية والجماعية {وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ}؛ فليس مجرد انكسار عسكري بل هروب مخزٍ وترك للغنائم والسلاح.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الإعجاز الغيبي القاطع لصدق الوحي القرآني:
نزلت هذه الآية بمكة في وقت كان النبي ﷺ يطرد في الشعاب، وأصحابه يعذبون في الرمضاء، ولا يخطر في عقل أي محلل مادي أن هؤلاء القلة المستضعفين سيقهرون سادات قريش وجيوشها الجرارة.
فتحقق النبأ بحذافيره في بدر بعد الهجرة، وقُتل صناديد قريش (أبو جهل، وعتبة، وشيبة، وأمية بن خلف) وألقوا في قليب بدر؛ برهان رياضي قاطع على أن القرآن تنزيل من علام الغيوب الذي يعلم ما كان وما سيكون.
شبهة تأخير النصر: قد يتساءل البعض: لماذا قال عمر رضي الله عنه: أي جمع يهزم؟
الجواب: هذا من كمال تدبر الصحابة؛ فعمر لم يشك قط في صدق الآية، ولكنه كان يجهل موضع تطبيقها الزماني والمكاني لشدة ضعف المسلمين آنذاك؛ فلما تجلت في بدر سجد قلبه تصديقاً ويقيناً؛ فعلم أن للمواعيد الإلهية آجالاً مضروبة لا تستقدم ولا تستأخر.
المجاز المرسل أو الكناية في {وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ}: التعبير بتولية الدبر كناية بليغة عن الهزيمة المنكرة والفرار المذل؛ لأن الفار يعطي ظهره وقفاه لعدوه رعباً وفراراً من القتل.
السين في {سَيُهْزَمُ}: سين التنفيس التي تؤكد حتمية الوقوع؛ فالأمر عند الله كأنه قد وقع وانتهى.
الإشارة التدبرية: مهما انتفخ الباطل وعلا ضجيجه واجتمعت أحزابه، فإن مصيره المحتوم هو الهزيمة وتولية الأدبار؛ وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
اليقين المطلق بنصر الله في أحلك الظروف: التربية على الاستمساك بوعد الله ولو كانت المعطيات المادية الملموسة توحي بخلاف ذلك؛ فالنصر ينزل من عند الله العزيز الحكيم.
التضرع والإلحاح في الدعاء مع الأخذ بالأسباب: التأسي برسول الله ﷺ يوم بدر؛ فرغم نزول الوحي بالهزيمة، لم يتواكل، بل ظل قائماً يدعو ويلح حتى سقط رداؤه عن منكبيه، ليعلم الأمة أن القدر لا يعطل العمل والدعاء.
الاستبشار بوعد الله لأهل الحق: بث روح الأمل والعزيمة في صفوف العاملين للإسلام؛ فكل عسرة بعدها يسران، وكل جولة للباطل تعقبها دولة للحق دائمة.