تواصل الآيات محاكمة غرور كفار مكة واستئصال آخر معاقل استكبارهم الباطل؛ وهو الاعتزاز بالكثرة والتحالف والمنعة العسكرية القبلية.
روى الطبري (ج ٢٢، ص ٥٣٤)مصدر غير محدد٢٢/٥٣٤ عن ابن عباس ومجاهد في قوله: {أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ}: قال: يقول أفتقول قريش: نحن أمرنا مجتمع ونحن جمع لا يُغلب، متناصرون ينتصر بعضنا لبعض ولا يرام جانبنا، وسننتصر على محمد وأصحابه؟
وذكر ابن كثير (ج ٧، ص ٤٥٥)مصدر غير محدد٧/٤٥٥: أي أيقولون نحن عصبة متظاهرة نتناصر فيما بيننا فنغلب من ناوأنا؟ فأخبر الله تعالى عما تكنه صدورهم من الاغترار بجمعهم وقوتهم وتظاهرهم على الحق.
وقال القرطبي (ج ١٧، ص ١٠٤)مصدر غير محدد١٧/١٠٤: نزلت الآية في مشركي قريش حين قال أبو جهل يوم بدر: "إنا منتصرون من محمد وأصحابه، وما نبالي بجمعهم"؛ فأكذبهم الله وبشر نبيه والمؤمنين بالهزيمة الساحقة التي ستلحق بهم قبل أن يقع القتال بسنوات.
وأوضح البغوي (ج ٧، ص ٤٤٥)مصدر غير محدد٧/٤٤٥: {نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ} أي جمع منتصر ممتنع من عدونا، لا يقدر أحد على قهرنا ولا ينالنا ضيم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{يَقُولُونَ}: فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل مبني في محل رفع فاعل.
{نَحْنُ}: ضمير منفصل مبني على الضم في محل رفع مبتدأ.
{جَمِيعٌ}: خبر المبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة؛ وجميع هنا بمعنى مجتمعون ذوو عدد وقوة وائتلاف، والجملة الاسمية في محل نصب مقول القول.
{مُّنتَصِرٌ}: نعت لجميع مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة؛ وأفرد الوصف مراعاة للفظ (جميع) وإن كان المعنى على الجمع (منتصرون)، والمنتصر هو الممتنع الذي لا يغلب وينتقم من أعدائه.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ما أروع التدرج في إبطال حجج المشركين ودعاواهم!
الآية (٤٣) أبطلت دعوى الفضل الذاتي ونفت وجود البراءة في الكتب الإلهية.
والآية (٤٤) انتقلت لإبطال حجتهم الميدانية الواقعية التي يتسلحون بها؛ وهي دعوى الكثرة العددية والاجتماع القتالي والتظاهر بالمنعة والقوة.
ليأتي الجواب الصاعق المفحم في الآية التالية مباشرة: {سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ}.
كشف الدوافع النفسية المستترة: عبر بـ{أَمْ يَقُولُونَ} لبيان أن هذا الغرور ليس مجرد فكرة عابرة، بل هو مقالة يتبجحون بها في نواديهم ويواجهون بها النبي ﷺ وأصحابه المستضعفين في مكة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
فساد الاعتماد على الكثرة العددية والتحالفات البشرية في مغالبة الحق:
الكفار يظنون أن الاجتماع والاتحاد علة النصر المطلق، وغفلوا عن أن الكثرة إذا حاربت الله ورسوله كانت وبالاً على أصحابها وهشيماً تذروه الرياح.
قال تعالى: {وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا}؛ فالكثرة المجردة من الإيمان هباء لا وزن له أمام قدرة الله الواحد القهار.
الإخبار بالغيب قبل وقوعه برهان النبوة: الآية مكية بنص الروايات، والمشركون كانوا في قمة المنعة والمسلمون معذبون في مكة؛ فحكاية قولهم وتحديهم بنصرة الله علامة نبوة دامغة أذهلت العقول حين تحققت يوم بدر.
التعبير بالمفرد {مُّنتَصِرٌ} بعد {جَمِيعٌ}: لإشعار بأن الجمع كله متكتل كالشخص الواحد في البطش والانتقام، مما يضاعف من هول خيبتهم حين يتشتتون كالهباء.
الإشارة التدبرية: كل اجتماع على الباطل مصيره إلى الشتات والانهيار؛ فلا ترهبنك تكتلات أهل الضلال ولا مؤتمراتهم وتحالفاتهم؛ فإن الله ناصر دينه ومخزٍ أعداءه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الثقة بوعد الله والاطمئنان عند استضعاف الحق: رسالة تثبيت لكل مسلم ومصلح يرى قوى الباطل تجتمع وتتحالف ضده؛ فالعاقبة للمتقين ولو كره المجرمون.
التواضع لله ونبذ الفخر بالكثرة والعصبية: أن يدرك المؤمن أن القوة الحقيقية في نصر الله وتأييده، وأن التعويل على الكثرة والعتاد مع الغفلة عن الله هو عين الهزيمة والخذلان.
مجاهدة غرور المتكبرين بالحجة والبيان: كشف زيف الدعاية التي يروجها الطغاة حول مناعتهم وقدرتهم التي لا تقهر؛ فالحق أبلج والباطل لجلج.