بيان استحقاق الحمد المطلق في الدارين: يروي الطبري في "جامع البيان" (ج 20، ص 359)جامع البيانالطبري٢٠/٣٥٩ وابن كثير (ج 6، ص 457)مصدر غير محدد٦/٤٥٧ عن قتادة ومجاهد، أن الله جل ثناؤه افتتح هذه السورة الكريمة بحمد نفسه مبيناً أنه المستوجب للحمد الخالص والثناء التام لإنعامه على خلقه بما ذرأ في السماوات وما في الأرض من آيات باهرات ونعم سابغات، ولأنه المالك لجميع ذلك، المتصرف فيه وحده بحكمته وعدله؛ وأنه المحمود في الدار الآخرة؛ لأن أهل الجنة إذا عاينوا صدق وعده ونفاذ قضائه قالوا: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ}.
تفسير الاسمين العظيمين (الحكيم الخبير): يقرر القرطبي (ج 14، ص 267)مصدر غير محدد١٤/٢٦٧ والسعدي (ص 675)مصدر غير محدد٦٧٥ أن {الْحَكِيمُ} في تدبير ملكه وخلقه وتشريعه، فلا يقع في كونه ما يخالف مقتضى الصواب، و{الْخَبِيرُ} ببواطن الأمور وخفايا الصدور، يعلم مصالح عباده وما يصلح لكل أحد من الرزق والتمكين والحرمان.
ضبط القراءات: قرأ الجمهور: {الْحَمْدُ لِلَّهِ} برفع الدال على الابتداء، وقرأ زيد بن علي وإبراهيم النخعي والحسن في بعض الروايات باتباع حركة الدال للام الجلالة بالكسر إتباعاً {الْحَمْدِ لِلَّهِ}، وهي لغة لبعض العرب لا يُقرأ بها في المتواتر، والقراءة السبعة متفقة على الرفع المحكم إخباراً بالثبوت التام.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البنية اللغوية والمعجمية:
{الْحَمْدُ}: الثناء باللسان على الجميل الاختياري على جهة التعظيم والإجلال مع المحبة. والألف واللام فيه لاستغراق جميع المحامد.
{يَلِجُ}: من الولوج، وهو الدخول بلطف ونفاذ في مضيق.
{الْحَكِيمُ}: فعيل بمعنى فاعل، أي المحكم للأشياء المتقن لها، أو ذو الحكمة التي يضع بها الأمور في مواضعها اللائقة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
مطلع السورة وبراعة الاستهلال: افتتحت السورة بحمد الله سبحانه على ملكه المطلق للكونين (الدنيا والآخرة)، وهو استهلال في غاية المناسبة لسورة تقرر التوحيد والبعث والجزاء؛ فإذا كان الله هو المالك لما في السماوات وما في الأرض في الأولى، والمالك للجزاء في الآخرة، بطلت دعاوى المشركين في اتخاذ أنداد لا يملكون مثقال ذرة.
الارتباط بخاتمة سورة الأحزاب: ختمت الأحزاب بالتوبة والمغفرة والرحمة للمؤمنين، وافتتحت سبأ بحمد الله الذي تجلت رحمته ومغفرته في الدارين؛ فالحمد أثر من آثار الرحمة الإلهية وثمرة عظمى للإنعام والتكريم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة كيف يُحمد الله في الآخرة والآخرة دار جزاء لا دار تكليف: قد يسأل متسائل: التكليف بالعبادات ينقطع في الدار الآخرة، فكيف قال تعالى: {وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ}؟
المحاكمة العقلية ودفع الإشكال:
الحمد في الآخرة ليس تكليفاً بل هو نعيم وتلذذ: أهل الجنة يلهمون التسبيح والتحميد كما يلهمون النَّفَس، كما صح في صحيح مسلم (رقم 2835)مصدر غير محددحديث رقم ٢٨٣٥؛ فالحمد هناك مظهر من مظاهر النعيم المطلق والبهجة بالرؤية والرضوان.
ثناء الخلائق على عدل الله وفضله: تحمد الملائكة والمؤمنون ربهم حين يُقضى بين الخلق بالحق، كما قال تعالى: {وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ ۖ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}.
استحقاق الذات العلية للحمد الدائم: الله محمود لذاته وصفاته في كل آن وحين، في الأولى والآخرة، سواء وُجد المكلفون أو فنوا، فحمده لا يزول ولا ينقطع.
تقديم الجار والمجرور (وله الحمد): لإفادة القصر والحصر؛ فالحق أن كل حمد يقع في الآخرة فهو خالص لله وحده، لا شركة لأحد فيه، حيث تسقط كل الدعاوى والأسباب الدنيوية.
العموم والاستيعاب في الموصولين (ما في السماوات وما في الأرض): استعمل (ما) ليعم العقلاء وغير العقلاء، وليدل على أن كل موجود مملوك مقهور تحت ربوبيته سبحانه.
التذييل الاسمي الصريح: {وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ} لتقرير أن هذا الملك التام صادر عن كمال الحكمة في التدبير، ودقة الخبرة في التقدير.
اللطائف التدبرية والإشارية:
من عاش في الدنيا حامداً لله على نعمه وتدبيره، استمر له هذا النعيم في الآخرة حامداً له على فضله ورضوانه؛ فالآخرة امتداد لأهل التوحيد والحمد.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي والتربوي:
تربية النفس على دوام التحميد؛ فالحمد رأس الشكر ومفتاح الزيادة وطريق الأنس بالله.
غرس اليقين في القلوب بأن ملك الله محيط بالظواهر والبواطن والدنيا والبرزخ والآخرة، مما يقطع التعلق بالمخلوقين.
العمل والوجدان الإيماني:
الإكثار من قول: «الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ» في السراء والضراء، استحضاراً لحكمته وخبرته في كل ما يقضيه ويقدره.
استشعار عظمة الآخرة؛ حيث يتحول ذكر الله وحمده إلى الغذاء الأرقى لأهل الجنة.