استعجال المشركين للقيامة والعذاب استهزاءً: يروي الطبري في "جامع البيان" (ج 20، ص 408)جامع البيانالطبري٢٠/٤٠٨ وابن كثير (ج 6، ص 480)مصدر غير محدد٦/٤٨٠ عن قتادة ومجاهد، أن الكفار لما سمعوا نذارة النبي ﷺ باليوم الآخر وعذاب النار وفتح المحكمة الإلهية بين الخلائق، قالوا متعنتين مستهزئين: متى يقع هذا الوعد الذي تعدنا به أنت وأصحابك من قيام الساعة أو نزول العذاب الدنيوي علينا؟ إن كنتم صادقين في دعواكم فعينوا لنا وقته وأنزلوه بنا الآن! وهذا السؤال مسوق مساق التكذيب والإنكار لا مساق الاسترشاد وطلب العلم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البنية اللغوية والمعجمية:
{مَتَىٰ}: اسم استفهام يُطلب به تعيين الزمان المستقبلي.
{الْوَعْدُ}: الإخبار بما سيقع من البعث والجزاء والحساب؛ وقد يطلق الوعد ويراد به الوعيد بالعذاب.
{مَتَىٰ}: اسم استفهام مبني على السكون في محل نصب على الظرفية الزمانية متعلق بمحذوف خبر مقدم.
{هَٰذَا}: الهاء للتنبيه، ذا اسم إشارة مبني في محل رفع مبتدأ مؤخر.
{الْوَعْدُ}: بدل من اسم الإشارة مرفوع بالضمة، والجملة الاستفهامية مقول القول في محل نصب.
{إِن}: حرف شرط جازم.
{كُنتُمْ}: فعل ماضٍ ناقص في محل جزم فعل الشرط، والتاء اسمها.
{صَادِقِينَ}: خبر كان منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم، وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله؛ أي إن كنتم صادقين فبينوا لنا وقته أو عجلوا به.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
مظهر آخر لعتو المشركين واستعجالهم: بعد أن بيّن النبي ﷺ أنه نذير لكافة الناس، قابلوا النذارة بالتحدي الأرعن؛ فبدلاً من أن يحذروا العذاب ويستعدوا له بالإيمان والتوبة، سألوا عن ميعاده استخفافاً؛ كأن التأخير دليل على عدم الوقوع؛ وهذا ديدن المعاندين في كل زمان.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة الربط بين صدق النبوة وتحديد وقت الساعة (مغالطة النقل التعجيزي):
يشترط المشركون لمعرفة صدق النبي أن يحدد لهم ساعة قيام القيامة بدقة!
المحاكمة العقلية ودفع الإشكال:
وظيفة الرسول البلاغ والنذارة لا علم الغيب المطلق: الرسول نذير يخبر بإمكان الشيء ووقوعه حتماً ليحذر الناس، وليس رباً يدبر الكون ويملك مفاتيح الآجال؛ فعدم علمه بوقت الساعة لا يقدح في صدق نبوته، بل هو دليل على صدقه؛ إذ لو كان مدعياً لاخترع موعداً من عنده.
الحكمة الإلهية في إخفاء وقت الساعة: إخفاء موعد القيامة هو عين الحكمة؛ ليبقى المكلفون في ترقب دائم واستعداد مستمر بالعمل الصالح، فلو عُلم وقتها لغفل الناس وسوفوا التوبة.
استعمال اسم الإشارة للقريب (هذا الوعد): لتحقير شأنه والتهوين من أمره في زعمهم.
الشرط بـ (إن كنتم صادقين): للتشكيك في صدق النبي وأصحابه ومحاولة إحراجهم أمام العامة.
اللطائف التدبرية والإشارية:
العاقل يسأل عما أعد للغد لا عن وقت مجيء الغد؛ كما قال النبي ﷺ للأعرابي الذي سأله: متى الساعة؟ قال: «وَمَاذَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟» (صحيح البخاري، رقم 3688)صحيح البخاريالبخاريحديث رقم ٣٦٨٨.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي والتربوي:
توجيه اهتمام الناس من الفضول والتنطع في معرفة أوقات الغيب إلى الاستعداد بالعمل الصالح والتوبة.
الصبر على استفزازات المعاندين ومناوراتهم الجدلية العقيمة.
العمل والوجدان الإيماني:
اليقين بأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن موت الإنسان هو قيام ساعته الصغرى؛ فمن مات قامت قيامته.
استثمار الأوقات في الطاعات قبل هجوم الأجل المكتوب.