حصر المشركين لدعوة النبوة في باطلين والرد الإلهي الصارم: يروي الطبري (ج 20، ص 368)مصدر غير محدد٢٠/٣٦٨ وابن كثير (ج 6، ص 460)مصدر غير محدد٦/٤٦٠ عن قتادة ومجاهد والضحاك، أن كفار قريش حصروا أمر النبي ﷺ في خيارين فاسدين لا ثالث لهما في نظرهم: إما أن يكون متعمداً للكذب على الله باختلاق هذا النبأ من عند نفسه، وإما أن يكون قد أصابه جنون ومس من الشياطين فهو لا يدري ما يقول ويهذي بحديث البعث؛ فرد الله عليهم بحرف الإضراب والإبطال {بَلِ} مبيناً أن رسوله بريء من الكذب والجنون غاية البراءة، وأنه الصادق الكامل العقل، وإنما المكذبون بالآخرة هم الذين سقطوا في غاية الحمق والضلال البعيد عن العقل، ومآلهم إلى العذاب الأليم المقيم.
معنى (أم به جنة): يوضح القرطبي (ج 14، ص 276)مصدر غير محدد١٤/٢٧٦ أن الجنة هي الجنون ومخالطة مس الجن للعقل حتى يذهب به.
{بَلِ}: حرف إضراب وابتداء لإبطال كلامهم السابق والانتقال إلى الحقيقة الفاصلة.
{الَّذِينَ}: اسم موصول مبني في محل رفع مبتدأ.
{لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ}: فعل مضارع وفاعله والجار والمجرور، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
{فِي الْعَذَابِ}: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر المبتدأ (الذين)، أو متعلقان بـ (الضلال).
{وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ}: عطف على العذاب، والبعيد نعت مجرور بالكسرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
رد الكيد على أصحابه بحرف الإضراب (بل): أسقط النظم القرآني تقسيمهم الباطل بضربة حاسمة؛ فلم يناقش تفاصيل زعمهم هل هو كذب أم جنون؛ لأن كمال صدقه ورجاحة عقله ﷺ أشهر من الشمس في رابعة النهار، بل أضرب عن ذلك إضراب إهمال وازدراء، وقلب عليهم التهمة: فالمجنون الضال في الحقيقة هو من أنكر الآخرة وكذب بلقاء ربه وسعى في عذاب نفسه الأبدي.
تقديم العذاب على الضلال في قوله {فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ}: قدم العذاب وهو مآلهم الأخروي أو ما هم فيه في الدنيا من عذاب القلق والشك والحيرة والشقاق، ثم ثنى بالضلال البعيد؛ للإشعار بأن وقوعهم في العذاب أمر متيقن حتمي كأنهم يتقلبون فيه الآن.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة شبهة حصر الاحتمالات عند الكفار (مغالطة القسمة الثنائية الفاسدة):
حصر الكفار الاحتمال في أمرين: (افترى كذباً) أو (به جنة)، وهذه من أشهر المغالطات المنطقية المسماة بمغالطة الإحراج الزائف؛ حيث أهملوا الاحتمال الحق الصادق وهو: أنه نبي صادق مؤيد بالوحي المعصوم.
المحاكمة العقلية:
انتفاء الكذب: الكاذب لابد أن تظهر عليه علامات الكذب من التناقض، وطلب الرياسة والمال، ومخالفة باطنه لظاهره؛ والرسول ﷺ شهدوا له قبل البعثة بأنه الصادق الأمين، ولم يجربوا عليه كذبة واحدة في شؤون الدنيا، فكيف يكذب على الله؟
انتفاء الجنون: المجنون يصدر عنه الكلام المضطرب والسلوك المختل؛ والقرآن الذي جاء به الرسول بلغ الغاية القصوى في الفصاحة، والحكمة، والتشريع المعجز الذي عجزت عنه فصحاء العرب وأرباب البلاغة؛ وشريعته بنت أعظم حضارة وأرقى أمة في تاريخ البشرية؛ فكيف ينسب هذا النور إلى مس من الجنون؟!
التنكير في (كذباً) و(جنّة): لتقليل شأنه وتحقيره في زعمهم.
استعمال حرف الظرفية (في): {فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ}؛ ليدل على أن العذاب والضلال قد أحاط بهم إحاطة الظرف بالمظروف؛ فهم منغمسون فيه لا يجدون منه مخرجاً.
الوصف بـ (البعيد): مجاز يصور الضلال كأنه طريق شاسع في مفازة مهلكة لا ماء فيها ولا مرعى ولا يهتدي السالك فيها إلى نجاة.
اللطائف التدبرية والإشارية:
من أعرض عن نور الوحي عاقبه الله بانتكاس العقل وفقدان البصيرة؛ حتى يرى الحق كذباً أو جنوناً، ويرى الشرك والضلال حكمة وعقلاً.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي والتربوي:
كشف ألاعيب التشويه النفسي التي يمارسها خصوم الإسلام بوصف أهل الدين بالتطرف أو التخلف أو الاضطراب؛ فالداعية يعلم أن هذه التهم قديمة وُوجه بها خير البشرية ﷺ.
مواجهة القسمة الفاسدة بالحقيقة الناصعة دون الارتباك في أطر الأسئلة الملغومة التي يضعها أهل الباطل.
العمل والوجدان الإيماني:
امتلاء القلب بمحبة النبي ﷺ وإجلاله وتوقيره، والشهادة له بكمال البلاغ وصدق النبوة ورجاحة العقل.
الحذر من كل مسلك يؤدي إلى التشكيك في الآخرة؛ فعدم الإيمان بالآخرة هو بؤرة كل ضلال وشقاء.