مصير المعاندين المحاربين وإحضارهم القسري في العذاب: يروي الطبري في "جامع البيان" (ج 20، ص 421)جامع البيانالطبري٢٠/٤٢١ وابن كثير (ج 6، ص 485)مصدر غير محدد٦/٤٨٥ عن مجاهد وقتادة والسدي، أن الآية تقرر مصير الفريق المقابل؛ وهم الذين يبذلون جهدهم وطاقاتهم في محاربة آيات الله والتشكيك في القرآن والصد عن سبيله ظانين أنهم يعجزون الله ويفوتونه؛ فأولئك يساقون ويحضرون قهراً وإلزاماً إلى دركات العذاب المقيم لا يستطيعون فراراً ولا خلاصاً منه.
معنى (محضرون): ينقل القرطبي (ج 14، ص 314)مصدر غير محدد١٤/٣١٤ والسعدي (ص 679)مصدر غير محدد٦٧٩ أن الإحضار هنا يفيد الجبر والقسر التام؛ أي تجلبهم زبانية جهنم جلباً قسرياً مقيدين بالأغلال إلى النار، لا يملكون التخلف ولا يجدون لهم ملجأ.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البنية اللغوية والمعجمية:
{يَسْعَوْنَ}: السعي هو الجهد الحثيث والنشاط المستمر في مكرهم.
{مُعَاجِزِينَ}: ظانين أنهم يعجزون الله ويفوتون عقابه.
{مُحْضَرُونَ}: اسم مفعول من أحضر، يفيد إحضارهم قسراً وإلقاءهم في جهنم دون تأخير.
الإعراب والتركيب النحوي:
{وَالَّذِينَ}: الواو عاطفة أو استئنافية، الذين اسم موصول مبني في محل رفع مبتدأ.
{يَسْعَوْنَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
{فِي آيَاتِنَا}: متعلقان بـ (يسعون).
{مُعَاجِزِينَ}: حال منصوبة بالياء من واو يسعون.
{أُولَٰئِكَ}: مبتدأ ثانٍ.
{فِي الْعَذَابِ}: متعلقان بـ (محضرون).
{مُحْضَرُونَ}: خبر المبتدأ (أولئك) مرفوع بالواو، وجملة المبتدأ والخبر في محل رفع خبر الموصول (الذين).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المقابلة الخالدة بين دارين ومصيرين: بعد أن ذكر نعيم المؤمنين في الآية السابقة {وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ}، قابلهم هنا بمصير المحاربين الكافرين {أُولَٰئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ}؛ ليتضح الفرق الشاسع بين الأمان التام والرفعة في الغرفات، وبين القسر والإذلال والإحضار في قعر الجحيم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة غرور الكفار بنفوذهم الأرضي: يظن مروجو الباطل أن تحكمهم في المنابر وإمكاناتهم المادية تمكنهم من الصمود أو الإفلات؛ فرد القرآن بأنهم غداً (محضرون) رغماً عنهم، محاطون بالملائكة الغلاظ الشداد، لا تملك لهم قوتهم ولا تحالفاتهم فكاكاً من النكال.
استعمال اسم المفعول (محضرون): للدلالة على الإهانة والذل وسلب الإرادة؛ فالكافر الذي كان يصول ويجول في الدنيا تكبراً، يُساق كالمجرم المقيد إلى ساحة الإعدام.
ظرفية العذاب (في العذاب): تفيد انغماسهم الكامل في لهب النار وإحاطتها بهم من كل صوب.
اللطائف التدبرية والإشارية:
شتان بين عبد يُدعى إلى جنات النعيم كريماً مرحباً به، وبين عبد يُحضر قسراً بالسلاسل إلى جهنم وبئس المصير.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي والتربوي:
طمأنة قلوب الدعاة؛ فكل من يسعى لإبطال آيات الله وتشريع الباطل مصيره محتوم بالخزي والإحضار في العذاب.
الحذر من الانخراط في أي مسعى أو نشاط يهدف إلى الصد عن شرع الله أو التهوين من شعائره.
العمل والوجدان الإيماني:
الاستعاذة بالله من عذاب النار ومن الخزي والإحضار يوم القيامة.
تسخير السعي كله في نصرة آيات الله وإعلاء كلمته في العالمين.