تخطَّ إلى المحتوى المصحف السور الموضوعات بحث المقاصد حسابي اعرض كخريطة تفاعلية ← الكل أثر لغة نظم عقل بيان وجدان تصفية حجم النص توسيع الكل التفسير الأثري وضبط القراءات
موقف المشركين من القرآن وتلفيق التهم للرسالة : يروي الطبري في "جامع البيان" (ج 20، ص 428)جامع البيان الطبري ٢٠/٤٢٨ وابن كثير (ج 6، ص 487)مصدر غير محدد ٦/٤٨٧ عن قتادة ومجاهد وابن عباس، أن الله تعالى يبين قبح تصرف مشركي قريش عند سماع آيات القرآن الواضحة البينات الدالة على التوحيد والبعث؛ فبدلاً من أن يتدبروا دلائلها لجأوا إلى ثلاث دعاوى باطلة لتنفير الناس عنها:
التحريض القبلي والعاطفي: {مَا هَٰذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَن يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ}؛ بزعم أن محمداً ﷺ إنما يريد هدم موروث الآباء والرياسة القبلية.
الطعن في مصدر القرآن: {مَا هَٰذَا إِلَّا إِفْكٌ مُّفْتَرًى}؛ أي كذب واختلاق افتراه من تلقاء نفسه.
وصم الحق المعجز بالسحر: {إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ}؛ فلما بهرتهم بلاغة القرآن وتأثيره في القلوب، زعموا أنه سحر يفرق بين المرء وزوجه وأبيه!
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البنية اللغوية والمعجمية :
{بَيِّنَاتٍ}: واضحات الدلالة، بينة الإعجاز، لا لبس فيها.
{إِفْكٌ}: أشد الكذب وأقبحه، وهو القول المقلوب المصروف عن وجهه الحق.
{مُّفْتَرًى}: مختلق ومصنوع عمداً من غير أصل.
{سِحْرٌ مُّبِينٌ}: خداع وتمويه ظاهر بيّن يقلب الحقائق في زعمهم.
الإعراب والتركيب النحوي :
{وَإِذَا}: الواو استئنافية، إذا ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه منصوب بجوابه.
{تُتْلَىٰ}: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع بالضمة المقدرة.
{عَلَيْهِمْ}: متعلقان بـ (تتلى).
{آيَاتُنَا}: نائب فاعل مرفوع، ونا مضاف إليه.
{بَيِّنَاتٍ}: حال منصوبة بالكسرة نيابة عن الفتحة لأنه جمع مؤنث سالم.
{قَالُوا}: فعل ماضٍ وفاعله، والجملة جواب شرط إذا لا محل لها.
{مَا هَٰذَا إِلَّا رَجُلٌ}: ما نافية، هذا مبتدأ، إلا أداة حصر، رجل خبر المبتدأ مرفوع بالضمة.
{يُرِيدُ}: فعل مضارع والفاعل مستتر والجملة نعت لـ (رجل).
{أَن يَصُدَّكُمْ}: أن مصدرية، يصدكم فعل مضارع منصوب والكاف مفعول به، والمصدر المؤول مفعول به لـ (يريد).
{عَمَّا}: متعلقان بـ (يصدكم).
{كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ}: كان واسمها وخبرها وصلة الموصول.
{وَقَالُوا مَا هَٰذَا إِلَّا إِفْكٌ مُّفْتَرًى}: عطف على القول الأول بمبتدأ وخبر وحصر ونعت.
{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ}: عطف، وللحق متعلقان بـ (قال)، ولما رابطة ظرفية، وجملة جاءهم مضاف إليها.
{إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُّبِينٌ}: إن نافية بمعنى ما، هذا مبتدأ، إلا حصر، سحر خبر مرفوع، ومبين نعت مجرور أو مرفوع بالضمة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تنوع أسلحة الباطل أمام سطوع الوحي : كشفت الآية اضطراب أهل الشرك وتخبطهم أمام الوحي؛ فمرة يحرضون العصبية القبلية بذكر عبادة الآباء، ومرة يتهمونه بالاختلاق (إفك مفترى)، ومرة يعترفون ضمناً بقوته القاهرة فيسمونه (سحراً مبيناً)؛ وهذا التناقض في التهم دليل قاطع على إفلاسهم وعجزهم عن معارضة الحق.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة الاحتجاج بتقليد الآباء والموروث (مغالطة التوسل بالقدم) :
يحتج المشركون دائماً بالموروث القديم: {عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ}؛ زاعمين أن القديم هو الحق دائماً!
المحاكمة العقلية ودفع الإشكال:
مجرد القدم ليس دليلاً على الصحة: العبرة بالحق والدليل والبرهان لا بمجرد العادة والتقليد؛ فالآباء بشر يخطئون ويصيبون: {أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ}.
عجزهم عن إقامة برهان: لو كان ما عليه آباؤهم حقاً لأقاموا عليه دليلاً عقلياً أو كتاباً منزلاً، ولكنهم عجزوا فلجأوا إلى رمي النبي بالسحر والكذب.
البعد البياني والبلاغي والإشاري والتدبري
استجلاء الأسرار البيانية واللطائف البلاغية (كما في «التحرير والتنوير» لابن عاشور و«الكشاف» للزمخشري و«التفسير الوسيط» للطنطاوي):
البلاغة والبيان :
صيغ الحصر الثلاث المتتابعة بـ (ما... إلا) و(إن... إلا) : لتصوير تعنتهم وإصرارهم على رفض الحق وحصره في أطر باطلة.
الحال في (بينات) : لإبراز أن كفرهم وقع مع كمال الوضوح؛ فلا عذر لهم بجهل أو خفاء.
الاعتراف الباطن بالسحر : وصفهم للقرآن بأنه سحر هو اعتراف غير مباشر بأنه كلام خارق للعادة لا يقدر عليه البشر العاديون، ولكنهم صرفوه إلى السحر جحوداً.
اللطائف التدبرية والإشارية :
كل صاحب باطل إذا عجز عن مواجهة الفكرة لجأ إلى التشكيك في نيات صاحبها وتشويه دوافعه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي والتربوي :
توطين النفس على سماع شتى أنواع التهم والتشويه من أهل الأهواء عند الصدع بالحق.
تحرير العقل من سلطان العادات والتقاليد المخالفة لشرع الله.
العمل والوجدان الإيماني :
تعظيم آيات الله البينات وتلاوتها بتدبر وخشوع.
الثبات على الحق واليقين بأن نور القرآن سيبطل كل سحر وافتراء.