رد الأتباع ببيان مكر القادة المستمر وسقوط الجميع في الأغلال والندامة: يروي الطبري في "جامع البيان" (ج 20، ص 413)جامع البيانالطبري٢٠/٤١٣ وابن كثير (ج 6، ص 482)مصدر غير محدد٦/٤٨٢ عن قتادة ومجاهد وابن زيد، أن المستضعفين لما سمعوا إنكار الكبراء وتبرؤهم، ردوا عليهم بغيظ وحسرة: ليس الأمر كما زعمتم من أننا اخترنا الكفر وحدنا، بل مكركم بنا الدائم المستمر ليلاً ونهاراً هو الذي أضلنا؛ حيث كنتم تدبرون المؤامرات في ظلمات الليل وتبثون الدعاية والترهيب في النهار، وتأمروننا وتضغطون علينا لنكفر بالله الحق ونجعل له شركاء وأنداداً؛ فلما تلاحى الفريقان وتخاصموا، وعاينوا عذاب جهنم عياناً، أسرّ القادة والأتباع الندامة في أنفسهم، وكظموا حسراتهم التي لا توصف خجلاً وخزياً من شدة هول الموقف؛ فأمر الله زبانية العذاب فجعلوا السلاسل والأغلال في أعناق الكافرين جميعاً يجرون بها في الجحيم؛ ولم يظلمهم الله قيد شعرة، بل هل يجزى هؤلاء إلا بما كانوا يعملون من الكفر والمكر والتبعية الباطلة في الدنيا؟!
معنى (أسروا الندامة): يوضح القرطبي (ج 14، ص 310)مصدر غير محدد١٤/٣١٠ وابن عاشور (ج 22، ص 185)مصدر غير محدد٢٢/١٨٥ أن للإسرار هنا معنيين عظيمين عند أهل التفسير واللغة:
أخفوا الندامة في قلوبهم وأبطنوها؛ لأن عظيم الدهشة والهول قد أخرس ألسنتهم فلم يقدروا على البكاء أو الاعتذار، أو أسرها القادة عن الأتباع خجلاً وخزياً.
أظهروها وبيّنوها؛ من الأضداد في لغة العرب، أي أظهروا ندامتهم على وجوههم وعيونهم حين رأوا العذاب. والمعنى الأول هو الأرجح والأكثر مهابة؛ لأن الهول الأعظم يسكت الألسنة فتتفطر القلوب كمداً وحسرة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البنية اللغوية والمعجمية:
{مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ}: مكركم المستمر الدائب الذي لا ينقطع في ليل ولا نهار لإضلالنا وصرفنا عن التوحيد.
{أَندَادًا}: جمع نِدّ، وهو المماثل والمنازع الشبيه الذي يُجعل شريكاً ومكافئاً.
{أَسَرُّوا}: كتموا وأخفوا في باطنهم، أو أظهروها وبدت على قسماتهم.
{الْأَغْلَالَ}: جمع غُلّ، وهو طوق من حديد يجمع اليدين مع العنق في تضييق وإهانة بالغة.
الإعراب والتركيب النحوي:
{وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا}: فعل وفاعلان وصلات ومتعلقات.
{بَلْ}: حرف إضراب وإبطال لقول المستكبرين.
{مَكْرُ}: مبتدأ مرفوع بالضمة وخبره محذوف تقديره (مكر الليل والنهار صدنا أو أهلكنا)، أو خبر لمبتدأ محذوف تقديره (السبب مكرُ الليل والنهار).
{اللَّيْلِ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة، وأضيف المكر إلى الليل والنهار على سبيل المجاز العقلي؛ لاتساعهما له واستمراره فيهما.
{وَالنَّهَارِ}: عطف مجرور بالكسرة.
{إِذْ}: ظرف لما مضى متعلق بـ (مكر).
{تَأْمُرُونَنَا}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل ونا مفعول به أول، والجملة في محل جر بإضافة (إذ) إليها.
{أَن نَّكْفُرَ}: أن مصدرية، نكفر فعل مضارع منصوب بالفتحة والفاعل مستتر تقديره نحن، والمصدر المؤول في محل نصب بنزع الخافض أو مفعول به ثانٍ؛ أي بأن نكفر.
{بِاللَّهِ}: متعلقان بـ (نكفر).
{وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَادًا}: عطف على نكفر، له متعلقان بمحذوف مفعول به ثانٍ، أنداداً مفعول به أول.
{وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ}: الواو استئنافية أو حالية، أسروا فعل ماضٍ والواو فاعل، الندامة مفعول به منصوب.
{لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ}: لما رابطة ظرفية، رأوا فعل ماضٍ وفاعله ومفعوله.
{وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ}: فعل وفاعل ومفعول أول.
{فِي أَعْنَاقِ}: جار ومجرور متعلقان بـ (جعلنا) أو بمحذوف مفعول به ثانٍ.
{الَّذِينَ كَفَرُوا}: مضاف إليه وصلته.
{هَلْ يُجْزَوْنَ}: هل حرف استفهام إنكاري بمعنى النفي المحض؛ أي ما يجزون، يجزون فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع بثبوت النون والواو نائب فاعل.
{إِلَّا}: أداة حصر.
{مَا}: اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به ثانٍ لـ (يجزون).
{كَانُوا يَعْمَلُونَ}: كان واسمها وخبرها، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إسدال الستار على مسرحية الجدال والخصومة: بعد أن تناقر الفريقان وتدافعا التهم عبر ثلاث محطات حوارية:
لولا أنتم لكنا مؤمنين (دعوى الضعفاء).
أنحن صددناكم بل كنتم مجرمين (رد الكبراء).
بل مكر الليل والنهار (مواجهة الضعفاء بالحقيقة الإعلامية التضليلية)؛ قطع النظم القرآني المشهد برؤية الحقيقة الكبرى: {لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ}؛ فانخرست الألسنة، وابتلعت الحلوق كلماتها، وخيم الصمت المرعب وسقط الجميع في الأغلال المقيدة للأعناق؛ ليتبين أن الجدال لم يغير من واقع العذاب شيئاً!
التذييل بالقاعدة العدلية الخالدة: ختم الآية بقوله: {هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}؛ لتقرير أن ما حل بهم ليس ظلماً بل هو التجسيد الحقيقي العادل لأعمالهم في الدنيا؛ فأغلال الكفر والمكر والتبعية انقلبت اليوم أغلالاً من نار تجر بها الأعناق.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة فاعلية المكر الإعلامي في تضليل الجماهير وأثره على المسؤولية:
تكشف الآية أدق أسلوب من أساليب الهيمنة السياسية والفكرية؛ وهو (مكر الليل والنهار)؛ أي التضليل الإعلامي الممنهج وغسيل الأدمغة المستمر الذي يمارسه الطغاة ضد شعوبهم.
المحاكمة العقلية:
المكر الإعلامي لا يسلب التكليف ولا يعفي من المسؤولية: اعترف الأتباع بأنهم استجابوا لمكر الليل والنهار، ولكن القرآن عاقبهم وجعل الأغلال في أعناقهم مع القادة سواء؛ لأن الإنسان مأمور بالبحث عن الحق وعدم تصديق الأكاذيب التضليلية حين تأمره بالكفر بالله والشرك به.
خطورة السكوت عن صناعة الأنداد: حذر القرآن من الانجرار وراء المكر المنظم الذي يسعى إلى تبديل عقائد الشعوب وتطبيع الشرك والانحلال تحت شعارات براقة.
المجاز العقلي البديع في (مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ): أسند المكر إلى الليل والنهار وهما ظرفان زمانيان لا يمكران؛ للدلالة على استغراق المكر للزمان كله بلا فتور ولا انقطاع، كأن الزمان نفسه يقطر مكراً وخديعة.
التصوير البصري الصادم في وضع الأغلال: {وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا}؛ مشهد يقابل الرؤوس التي كانت تتطاول في الدنيا استكباراً، فصارت مغلولة بالأصفاد مذلولة في الدركات.
أسلوب الحصر الاستفهامي في ختام الآية: {هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}؛ لإشاعة السكينة في قلوب المؤمنين بعدالة الله التامة.
اللطائف التدبرية والإشارية:
أشد أنواع الندم هو الندم الذي لا ينفع، والندم المكتوم في سويداء القلب حين تتيقن النفس من فوات الأوان وسوء المنقلب.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي والتربوي:
توعية الأمة بكشف مخططات (مكر الليل والنهار) التي تشنها المنظومات المعادية للإسلام لتشويه الثوابت وتزيين الرذيلة.
وجوب بناء حصانة فكرية وعقدية لدى الشباب والمستضعفين تمنعهم من الوقوع في شباك التضليل.
العمل والوجدان الإيماني:
التوبة إلى الله العاجلة والفرار إليه قبل معاينة العذاب؛ فالندامة الآن تنفع وتمحو الذنوب، أما هناك فلا تجدي نفعاً.
الاستعاذة بالله من مضلات الفتن، وسؤال الثبات على الحق حتى الممات.