إعلان براءة الدعوة من أي طمع مادي أو مصلحة دنيوية: يروي الطبري في "جامع البيان" (ج 20، ص 435)جامع البيانالطبري٢٠/٤٣٥ وابن كثير (ج 6، ص 489)مصدر غير محدد٦/٤٨٩ عن مجاهد وقتادة وابن عباس، أن الله تعالى يأمر رسوله ﷺ أن يزيل كل ريبة وتهمة قد تحوك في صدور المشركين من أنه يطلب بنبوته مالاً أو جاهاً أو جباية؛ فيقول لهم بوضوح وتجرد: إن كنت قد سألتكم على إبلاغ الرسالة وهدايتكم أي أجر أو جعل أو مال، فهو لكم مردود عليكم لا أريد منه شيئاً، ولست أبتغي منكم جزاءً ولا شكوراً؛ إنما أجري وثوابي على الله وحده المتكفل بي وبأوليائه، وهو سبحانه شهيد مطلع على نيتي وعملي وعلى كفركم وتكذيبكم لا يخفى عليه شيء.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البنية اللغوية والمعجمية:
{أَجْرٍ}: عوض ومال ومكافأة دنيوية على العمل.
{شَهِيدٌ}: مطلع حاضر مراقب يرى ويسمع كل حركة وخاطرة، ويشهد بالحق.
الإعراب والتركيب النحوي:
{قُلْ}: فعل أمر فاعله مستتر.
{مَا}: اسم شرط جازم أو اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به مقدم لـ (سألتكم).
{سَأَلْتُكُم}: فعل ماضٍ والتاء فاعل والكاف مفعول به أول وهو في محل جزم فعل الشرط.
{مِّنْ أَجْرٍ}: من حرف جر زائد لتأكيد النفي أو بيان لـ (ما)، أجر اسم مجرور لفظاً مفعول به ثانٍ.
{فَهُوَ}: الفاء رابطة لجواب الشرط، هو مبتدأ.
{لَكُمْ}: جار ومجرور خبر المبتدأ، والجملة في محل جزم جواب الشرط.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إسقاط تهمة المنفعة والمكسب الشخصي: لما نفى في الآية السابقة تهمة الجنون {مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ}؛ نفى هنا التهمة المقابلة وهي الطمع في التكسب والرياسة والمال؛ فإذا بطل الجنون وبطل الطمع المادي ثبت يقيناً أنه رسول مخلص صادق مبعوث من عند الله؛ إذ لا يضحي عاقل براحته ويتحمل الأذى والتكذيب إلا وهو مؤيد بوحي إلهي صادق.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة البحث عن الزعامة والمكاسب في حركات الإصلاح:
يظن المبطلون أن كل مصلح وصاحب دعوة إنما يسعى لجمع الأتباع للوصول إلى مكاسب مالية وسلطوية!
المحاكمة العقلية ودفع الإشكال:
الزهد النبوي المشهود: تاريخ النبي ﷺ وسيرته العملية قطعت كل ريبة؛ فقد عُرض عليه الملك والمال في فجر الدعوة بمكة فأبى وقال: «وَاللَّهِ لَوْ وَضَعُوا الشَّمْسَ فِي يَمِينِي، وَالْقَمَرَ فِي يَسَارِي عَلَى أَنْ أَتْرُكَ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى يُظْهِرَهُ اللَّهُ أَوْ أَهْلِكَ فِيهِ مَا تَرَكْتُهُ»؛ ومات ودرعه مرهونة عند يهودي في أصوع من شعير لطعام أهله؛ فهل هذا سلوك طالب دنيا وأجر؟!
التجرد شرط قبول الدعوة: قوله {إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ} هو شعار الأنبياء قاطبة (نوح، هود، صالح، لوط، شعيب)؛ لأن استغناء الداعية عن أموال الناس يفتح قلوبهم لسماع الحق دون ريبة.
الأسلوب الشرطي الفرضي (ما سألتكم من أجر فهو لكم): فيه تهكم لطيف وتأكيد لنفي السؤال أصلاً؛ أي لو فرضنا جدلاً أنني سألتكم فإني أتنازل عنه لكم وأهبه إياكم؛ وهو غاية النزاهة والترفع.
الحصر بـ (إن... إلا): {إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ}؛ لقصر رجائه وطلبه على الله وحده لا شريك له.
التذييل بصفة الشهادة (وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ): تأكيد على مراقبة الله وشهوده على صدق الرسول في البلاغ وكفر المكذبين في العناد.
اللطائف التدبرية والإشارية:
على قدر تجرد الداعية من حظوظ النفس والدنيا، تعظم بركة دعوته وتنفذ كلماته إلى أعماق القلوب.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي والتربوي:
تجريد العمل الدعوي والخيري من الأطماع المادية والمنافع الشخصية؛ فالداعية الصادق يبتغي الأجر من الله وحده.
غرس النزاهة وعفة اليد واللسان في نفوس المصلحين وطلبة العلم.
العمل والوجدان الإيماني:
الإخلاص لله في كل طاعة ونفقة وعمل، واستحضار شهادة الله واطلاعه علينا في السر والعلن.
محبة النبي ﷺ والاعتراف بفضله العظيم علينا؛ إذ بلغ الرسالة ونصح الأمة بلا مقابل دنيوي بل بذل نفسه فداءً لهدايتنا.