نفي السلطان القهري عن إبليس وحكمة الابتلاء الإلهي: يروي الطبري في "جامع البيان" (ج 20، ص 394)جامع البيانالطبري٢٠/٣٩٤ وابن كثير (ج 6، ص 473)مصدر غير محدد٦/٤٧٣ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة، أن الله تعالى يبين براءته وعدله في إغواء إبليس للناس؛ فلم يكن لإبليس على بني آدم ولا على أهل سبأ من سلطان قاهر يقهرهم به على الكفر، ولا حجة عقلية يبرهن بها على باطله، ولا قوة مادية تسلبهم حرية الاختيار؛ بل كان أمره مجرد وسوسة وتزيين ودعوة، فاستجابوا له باختيارهم؛ وإنما مكن الله إبليس من الوسوسة والإغواء لحكمة بالغة، وهي ابتلاء العباد ليظهر علم الله الأزلي في واقع الشهود عياناً؛ فيتميز المؤمن الصادق الموقن بالدار الآخرة من المرتاب الشاك المتردد؛ والله سبحانه حفيظ على كل شيء، يحفظ أعمال العباد ويحصي ذراتها ليجازي كلاً بعمله.
معنى (إلا لنعلم): ينقل القرطبي (ج 14، ص 296)مصدر غير محدد١٤/٢٩٦ والسعدي (ص 677)مصدر غير محدد٦٧٧ أن الله تعالى عليم بكل شيء قبل كونه، والمراد بـ {لِنَعْلَمَ} هنا: علم الظهور والمشاهدة الذي يتعلق به الثواب والعقاب؛ أي لنعلمه موجوداً واقعاً من العبد تقوم به الحجة القضائية عليه؛ لأن الله لا يعاقب العباد على علمه فيهم بل على ما يباشرونه من كفر أو إيمان.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البنية اللغوية والمعجمية:
{سُلْطَانٍ}: تسلط وقوة وقهر وإلجاء، أو برهان وحجة قاطعة.
{شَكٍّ}: تردد واضطراب في النفس مع استواء الطرفين أو رجحان أحدهما بلا يقين.
{حَفِيظٌ}: فعيل من الحفظ، وهو الرقيب المحصي المحافظ على الأشياء الذي لا يغيب عنه شيء ولا ينسى.
الإعراب والتركيب النحوي:
{وَمَا كَانَ}: الواو استئنافية، ما نافية، كان فعل ماضٍ ناقص.
{لَهُ}: جار ومجرور خبر كان مقدم.
{عَلَيْهِم}: متعلقان بـ (سلطان) أو بمحذوف حال.
{مِّن سُلْطَانٍ}: من حرف جر زائد لتأكيد النفي والاستغراق، سلطان اسم كان مؤخر مجرور لفظاً مرفوع محلاً.
{إِلَّا}: أداة حصر واستثناء منقطع أو متصل مفرغ.
{لِنَعْلَمَ}: اللام لام التعليل، نعلم فعل مضارع منصوب بأن مضمرة والفاعل مستتر تقديره نحن. والمصدر المؤول مفعول لأجله؛ أي ما مكناه إلا لحكمة علمنا للواقع.
{مَن}: اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به لـ (نعلم).
{يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ}: فعل مضارع وفاعله والجار والمجرور، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
{مِمَّنْ}: من حرف جر، من موصولة في محل جر متعلقان بـ (نعلم) أو بمحذوف حال للممايزة.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تنزيه العدل الإلهي وإسقاط حجة الجبرية: جاء هذا النظم الحكيم مباشرة بعد ذكر إتباع أهل سبأ لإبليس؛ لئلا يظن ظان أن إبليس كان يملك سلطة جبر وقهر سلبتهم الإرادة، أو أن الله قدر عليهم الغواية ظلماً؛ فنفى السلطان عن إبليس بحرف النفي الصريح المؤكد بـ (من) الاستغراقية {مِّن سُلْطَانٍ}، وأرجع الأمر كله إلى سنة الابتلاء والتمحيص الإلهي القائم على حرية الإرادة البشرية.
الاقتران بختام الحفظ (وربك على كل شيء حفيظ): تناسب تام مع سياق التكليف والابتلاء؛ فإذا كانت الغاية تمييز المؤمن من الشاك، فإن الله حفيظ لا تضيع عنده ذرة من إيمان الموقن ولا ذرة من شك المرتاب، وسيجازي كل فريق بما حفظ عليه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة كيف يقول الله (إلا لنعلم) وهو العليم بكل شيء أزلاً:
يثير الملاحدة وأهل الأهواء شبهة: هل كان الله لا يعلم مصيرهم حتى ابتلاهم ليعلم؟
المحاكمة العقلية ودفع الإشكال:
الفرق بين علم الغيب الأزلي وعلم الشهود الواقع: علم الله الأزلي محيط بكل ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون؛ ولكنه سبحانه بعدله المطلق لا يحاسب العباد على علمه السابق فيهم، وإنما يحاسبهم على ما يقع منهم في عالم الشهود اختياراً بالجوارح؛ فقوله {لِنَعْلَمَ} معناه: لنعلم ذلك واقعاً مشهوداً نترتب عليه الثواب والعقاب وتقوم به الحجة على العبد من نفسه.
إقامة ميزان العدالة القضائية: لو عاقب الله الكافر قبل أن يعمل لقال الكافر: لو أمرتني لأطعتك! فمكنهم الله وابتلاهم ليخرج ما في نفوسهم إلى حيز العمل فيشهدوا على أنفسهم يوم القيامة: {لِّئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ}.
زيادة (مِن) الاستغراقية في (من سلطان): لتنصيص استغراق النفي؛ أي ليس له أدنى نوع من أنواع السلطان أو التسلط القهري.
المقابلة بين اليقين والشك: {مَن يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ}؛ للدلالة على أن الإيمان بالآخرة هو الفارق الجوهري الفاصل بين الثبات الإيماني والانجراف مع وساوس الشيطان.
التنكير في (شك): ليدل على أن أدنى ريب أو تردد في اليوم الآخر كفيل بإسقاط الإنسان في حبائل إبليس.
اللطائف التدبرية والإشارية:
الشيطان ضعيف الحيلة لا يملك إلا الوسوسة والتزيين: {فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ ۖ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا}؛ فلا عذر لمن ترك صراط ربه واتبع وسوسة عدوه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
التوجيه الدعوي والتربوي:
ترسيخ مسؤولية الإنسان التامة عن أفعاله وقراراته؛ فالإنسان مخير يملك الإرادة والقدرة، وإلقاء اللوم على الشيطان يوم القيامة لا يغني شيئاً: {وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ ۖ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ۖ فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم}.
تعزيز اليقين باليوم الآخر؛ فهو الحصن الحصين من الشبهات والشهوات.