عناد الكفار وموقف الخصومة بين المستضعفين والمستكبرين في الآخرة: يروي الطبري في "جامع البيان" (ج 20، ص 410)جامع البيانالطبري٢٠/٤١٠ وابن كثير (ج 6، ص 481)مصدر غير محدد٦/٤٨١ عن ابن عباس ومجاهد والسدي، أن كفار قريش أعلنوا التمرد الكامل والرفض القاطع للهداية فقالوا: لن نؤمن بهذا القرآن الذي جئت به يا محمد، ولا بالكتب السابقة التي قبله كالتوراة والإنجيل (الذي بين يديه) التي تبشر بك وتأمر بالتوحيد والبعث؛ فرد الله عليهم بعرض مشهد رهيب من مشاهد القيامة: ولو ترى يا محمد أو أيها الرائي حال هؤلاء الظالمين حين يوقفون في المحشر مقيدين محبوسين عند عرش ربهم للحساب والجزاء، لرأيت أمراً فظيعاً هائلاً؛ حيث يتبادلون الاتهامات ويلقي بعضهم اللوم على بعض: فيقول الأتباع الضعفاء المستضعفون للقادة والكبراء المستكبرين: لولا تضليلكم لنا، وإغراؤكم إيانا بالباطل، وتهديدكم لنا بالقطيعة والحرمان لكنا مؤمنين بالله ورسله!
معنى (يرجع بعضهم إلى بعض القول): ينقل القرطبي (ج 14، ص 308)مصدر غير محدد١٤/٣٠٨ والسعدي (ص 678)مصدر غير محدد٦٧٨ أنهم يتراجعون الكلام ويتدافعون الخصومة تلاوماً وتقريعاً وتحسيراً في ذلك الموقف العصيب.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البنية اللغوية والمعجمية:
{بَيْنَ يَدَيْهِ}: الكتب السماوية السابقة المتقدمة في الزمان على القرآن كالتوراة والزبور والإنجيل، أو ما في القرآن من أخبار الآخرة والبعث.
{مَوْقُوفُونَ}: محبوسون مقيدون للحساب والسؤال، من وقفه إذا حبسه ومنعه من الذهاب.
{يَرْجِعُ}: يردد ويعيد القول؛ يرجع هذا فيرد عليه ذاك في محاورة وخصومة حامية.
{اسْتَكْبَرُوا}: تعاظموا في أنفسهم واستعلوا بالرياسة والمال وقادوا الناس إلى الضلال.
الإعراب والتركيب النحوي:
{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا}: فعل وفاعل وصلة الموصول.
{لَن نُّؤْمِنَ}: لن حرف نفي ونصب واستقبال، نؤمن فعل مضارع منصوب بالفتحة، والفاعل مستتر تقديره نحن.
{بِهَٰذَا الْقُرْآنِ}: جار ومجرور وبدل، متعلقان بـ (نؤمن).
{وَلَا بِالَّذِي}: عطف، بالذي جار ومجرور معطوفان.
{بَيْنَ يَدَيْهِ}: ظرف ومضاف إليه متعلقان بصلة الموصول المحذوفة.
{وَلَوْ}: الواو استئنافية، لو شرطية تفيد الامتناع والتهويل.
{تَرَىٰ}: فعل مضارع مرفوع بالضمة المقدرة للتعذر، والفاعل مستتر تقديره أنت، وجواب (لو) محذوف لتهويل المشهد وفظاعته؛ أي لرأيت أمراً هائلاً لا يوصف.
{إِذِ}: ظرف لما مضى استعمل في المستقبل لتحقق وقوعه، مبني في محل نصب مفعول به لـ (ترى) أو متعلق به.
{الظَّالِمُونَ}: مبتدأ مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم.
{مَوْقُوفُونَ}: خبر المبتدأ مرفوع بالواو، والجملة الاسمية في محل جر بإضافة (إذ) إليها.
{عِندَ رَبِّهِمْ}: ظرف مكان ومضاف إليه متعلقان بـ (موقوفون).
{يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ}: يرجع فعل مضارع، بعضهم فاعل، والجملة في محل نصب حال من الظالمين.
{إِلَىٰ بَعْضٍ}: متعلقان بـ (يرجع).
{الْقَوْلَ}: مفعول به منصوب بالفتحة.
{يَقُولُ الَّذِينَ}: بدل اشتمال أو بيان لجملة يرجع، أو حالية.
{اسْتُضْعِفُوا}: فعل ماضٍ مبني للمجهول والواو نائب فاعل.
{لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا}: متعلقان بـ (يقول).
{لَوْلَا}: حرف امتناع لوجود متضمن معنى الشرط.
{أَنتُمْ}: ضمير منفصل مبني في محل رفع مبتدأ وخبره محذوف وجوباً تقديره موجودون أو صددتمونا.
{لَكُنَّا}: اللام واقعة في جواب لولا، كنا فعل ماضٍ ناقص ونا اسمها.
{مُؤْمِنِينَ}: خبر كان منصوب بالياء، والجملة لا محل لها جواب شرط لولا.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المفارقة الهائلة بين تبجح الدنيا وذلة الآخرة: بدأ النظم بحكاية كلمتهم العاتية الوقحة في الدنيا بملء أفواههم: {لَن نُّؤْمِنَ بِهَٰذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ}؛ ثم نقل المشهد مباشرة بحرف التحقيق والتهويل {وَلَوْ تَرَىٰ} إلى ساحة الموقف الرهيب وهم موقوفون أذلاء لا يملكون حراكاً، يتلاومون ويتباكون؛ ليظهر السقوط المريع للكبرياء الزائف.
حذف جواب (لو): {وَلَوْ تَرَىٰ...} وحذف الجواب من أبلغ أساليب الإيجاز والتهويل في البلاغة العربية؛ لأن خيال السامع يذهب في تصوير الهول كل مذهب، فلا تحيط به عبارة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة إلقاء التبعة على الرؤساء والمضللين:
يحاول المستضعفون الهروب من المسؤولية بإلقاء اللوم على القادة: {لَوْلَا أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ}!
المحاكمة العقلية ودفع الإشكال:
استقلال العقل والإرادة عند كل مكلف: الله ركّب في الإنسان عقلاً يميز به بين الحق والباطل، وأرسل الرسل وأنزل الكتب لكل فرد؛ فالمستضعف كان يملك عقلاً وإرادة، وكان بإمكانه أن يرفض الباطل ويثبت على الإيمان، ولكنه آثر التبعية العمياء ومداهنة الكبراء.
التبعية في الكفر جريمة مشتركة: القادة ارتكبوا جريمة الصد والدعوة إلى الكفر، والأتباع ارتكبوا جريمة الرضوخ والتقليد والتنفيذ؛ فالجرم مشترك والعذاب يجمعهما وإن تفاوتت دركاته.