إعراض أهل سبأ ونزول العقاب بسيل العرم: يروي الطبري (ج 20، ص 382)مصدر غير محدد٢٠/٣٨٢ وابن كثير (ج 6، ص 468)مصدر غير محدد٦/٤٦٨ عن ابن عباس ووهب بن منبه ومحمد بن إسحاق وقتادة، أن أهل سبأ لما طالت عليهم النعم، كذبوا الرسل الذين أرسلهم الله إليهم، وأعرضوا عن شكر المنعم، واستكبروا وقالوا: ما هذا إلا ملكنا ورثناه عن آبائنا؛ فسلط الله على سدهم العظيم (فأرة السد أو الجرذ) فنقبت في أصل السد حتى وهى وتصدع، فلما تدفقت السيول انهار السد فجأة وجاءهم (سيل العرم) وهو السيل الجارف العاتي القاهر الذي لا يطاق؛ فغرق الوادي واقتلعت الأشجار ودمرت البساتين وقرى اليمين والشمال، وغار الماء في مجاهل الأرض وانقطعت الجداول؛ ثم أنبت الله لهم بدلاً من أشجار الفواكه والنخيل والأعناب شجراً بائساً رديئاً لا نفع فيه: شجر الأراك المر الحامض (الخمط)، وشجر الطرفاء الذي لا ثمر له (الأثل)، وشيئاً يسيراً من السدر قليل النفع كثير الشوك؛ فصارت جنتهم خراباً موحشاً.
معنى (سيل العرم) و(الأكل الخمط): يوضح القرطبي (ج 14، ص 288)مصدر غير محدد١٤/٢٨٨ والسعدي (ص 676)مصدر غير محدد٦٧٦ أن (العرم) جمع عرمة وهو السد والمسناة التي تحبس الماء، أو هو السيل العارم الشديد القوة؛ والخمط هو الشجر المر ذو الشوك الذي لا يستطاع أكله لمرارته وبشاعته كشجر الأراك أو الحنظل.
ضبط القراءات:
قرأ الجمهور: {ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ} بإضافة (أُكُلٍ) إلى (خَمْطٍ) وتنوين خمط مجروراً، وضم همزة أكل أو إسكان كافها (أُكْلٍ/أُكُلٍ)؛ أي ذواتي ثمر مر حامض.
وقرأ أبو عمرو وابن كثير في رواية ويعقوب: {ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطًا} بنصب خمط على البدل أو التمييز.
وقرأ نافع وأبو جعفر وابن عامر والكسائي: {ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ} بتنوين (أُكُلٍ) وجر (خَمْطٍ) بدلاً منه أو نعتاً له.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البنية اللغوية والمعجمية:
{فَأَعْرَضُوا}: تولوا وصدوا عن الإيمان وشكر المنعم وتركوا الانقياد للحق.
{الْعَرِمِ}: السيل العنيف الشديد الذي يهدم كل شيء، وأصله من العرامة وهي الشراسة والشدة، أو العرم اسم السد بالحِمْيَرية.
{خَمْطٍ}: كل نبت فيه مرارة وبشاعة طعم، وهو شجر الأراك وثمره البرير المر.
{أَثْلٍ}: شجر يشبه الطرفاء عظيم لا شوك له ولا ثمرة فيه ينتفع بأكلها، بل خشبه للصناعة فقط.
{سِدْرٍ قَلِيلٍ}: شجر النبق، ووصفه بالقلة لأن ثمره قليل وشوكه كثير، وهو أفضل الأشجار الثلاثة الباقية فكان منه شيء يسير تهويناً لحالهم.
{فَأَرْسَلْنَا}: عطف بالتعقيب، أرسلنا فعل ماضٍ ونا فاعل.
{عَلَيْهِمْ}: متعلقان بـ (أرسلنا).
{سَيْلَ الْعَرِمِ}: سيل مفعول به منصوب، العرم مضاف إليه مجرور بالكسرة.
{وَبَدَّلْنَاهُم}: الواو عاطفة، بدلنا فعل ماضٍ ونا فاعل والهاء مفعول به أول.
{بِجَنَّتَيْهِمْ}: الباء حرف جر داخلة على المتروك، جنتيهم اسم مجرور بالياء لأنه مثنى وحذفت النون للإضافة وهو المفعول المتروك.
{جَنَّتَيْنِ}: مفعول به ثانٍ لـ (بدلنا) منصوب بالياء لأنه مثنى.
{ذَوَاتَيْ}: نعت لـ (جنتين) منصوب بالياء لأنه مثنى، وهو مضاف.
{أُكُلٍ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة.
{خَمْطٍ}: مضاف إليه مجرور، أو نعت أو بدل (بحسب القراءات).
{وَأَثْلٍ}: عطف على (أُكل) أو (خمط) مجرور بالكسرة.
{وَشَيْءٍ}: معطوف مجرور بالكسرة.
{مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ}: من سدر جار ومجرور نعت لـ (شيء)، وقليل نعت لـ (سدر) أو لـ (شيء) مجرور بالكسرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
سرعة الجزاء المترتب بالفاء السببية: {فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا}؛ رتب إرسال السيل المدمر على إعراضهم بالفاء الدالة على السببية والتعقيب دون تراخٍ؛ للإشعار بأن نزول النقمة الإلهية متربص بوقوع البطر والجحود؛ فما كادت كلمة الإعراض تستقر في سلوكهم حتى انقض عليهم سيل العرم فبددهم.
التهكم والتبكيت في التسمية (جنتين): سمى الله ما أنبت لهم بعد الهلاك {جَنَّتَيْنِ} على سبيل المشاكلة اللفظية والتهكم بحالهم؛ أين هاتان الجنتان الخبيثتا الثمر المر كثيرتا الشوك من تينك الجنتين الباسقتين الرائعتين المليئتين بالثمار الظليلة والخيرات؟!
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة لماذا أهلك الله عمران سبأ بحيوان صغير (فأر/جرذ) وسيل ماء:
يلحظ بعضهم: لماذا لم يرسل الله عليهم صيحة أو صاعقة كعاد وثمود، بل سلط عليهم فأرة نقبت السد؟
المحاكمة العقلية ودفع الإشكال:
الجزاء من جنس النعمة: كانت أعظم مفاخرهم هو هذا السد المائي المعجز هندسياً الذي حبس السيول ودر عليهم الثروات؛ فجعل الله هلاكهم بنفس تلك النعمة التي افتخروا بها وجحدوا خالقها؛ ليعلموا أن النعمة تنقلب نقمة ساحقة إذا كُفرت.
إهانة المتكبرين بأحقر المخلوقات: قهر الجبابرة بجرذ أو فأر صغير ينقب صخور السد فيه من الإذلال لكبريائهم ما يفوق الهلاك بالصواعق والزلازل؛ ليعلم الإنسان مدى هشاشة حضارته وعجزه أمام جند من جنود الله لا يقيم له وزناً.
الاستعارة والتهكم البديع: في إطلاق لفظ {جَنَّتَيْنِ} على ما لا يصلح أن يسمى جنة؛ لإشعارهم بالخسارة الفادحة والفارق الهائل بين الماضي النضير والحاضر الكئيب.
التدلي النظمي في وصف النبات البديل: بدأ بما طعمه مر {أُكُلٍ خَمْطٍ}، ثم بما لا ثمر له أصلاً بل هو خشب وشوك {وَأَثْلٍ}، ثم بما فيه شيء يسير من النفع ولكنه ضئيل {وَشَيْءٍ مِّن سِدْرٍ قَلِيلٍ}؛ تصويراً لانحدار حالهم في الحرمان.
تكرار لفظ (قليل): للتأكيد على الحقارة والضآلة بعد الوفرة والاتساع.
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي والتربوي:
أخذ العبرة من الآثار ومصارع الحضارات البائدة؛ فالتاريخ القرآني ليس حكايات للتسلية بل هو سنن كونية لا تحابي أحداً: {فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ}.
تحذير المجتمعات المترفة من الانزلاق إلى كفران النعم والإعراض عن الشريعة؛ لئلا يصيبهم ما أصاب أهل مأرب.
العمل والوجدان الإيماني:
تقييد نعم الله بالشكر الدائم، والابتهال إلى الله ألا يسلبنا نعمه بذنوبنا ومعاصينا.
الوجل من مكر الله واستدراجه؛ فالإمهال ليس إهمالاً، وإعراض القلب بداية الهلاك.