بيان العلة الغائية من قيام الساعة ومقتضى العدل الإلهي: يروي الطبري (ج 20، ص 363)مصدر غير محدد٢٠/٣٦٣ وابن كثير (ج 6، ص 458)مصدر غير محدد٦/٤٥٨ عن قتادة والسدي، أن اللام في {لِّيَجْزِيَ} هي لام التعليل والعاقبة المتعلقة بقوله: {لَتَأْتِيَنَّكُمْ}؛ أي إنما تأتيكم الساعة حتماً ليتحقق مقتضى العدل والفضل الإلهي بمكافأة أهل الإيمان والعمل الصالح الذين أطاعوا الله في دار الابتلاء وصبروا على مكاره الدنيا، فيجعل لهم مغفرة تمحو ذنوبهم وزلاتهم، ورزقاً كريماً حسناً وهو نعيم الجنات والخلود الذي لا ينفد ولا ينقطع.
معنى الرزق الكريم: يقرر القرطبي (ج 14، ص 272)مصدر غير محدد١٤/٢٧٢ والسعدي (ص 675)مصدر غير محدد٦٧٥ أن وصف الرزق بـ {كَرِيمٌ} يدل على أنه رزق هنيء لا منغص فيه، لا يتبعه منٌّ ولا أذى، فيه ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، وأعظم ذلك النظر إلى وجه الله الكريم ورضوانه الذي لا سخط بعده.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البنية اللغوية والمعجمية:
{لِّيَجْزِيَ}: الجزاء هو المكافأة على الشيء بما يناسبه ويقابله من خير أو شر.
{رِزْقٌ}: العطاء المستمر الذي ينتفع به الكائن.
{كَرِيمٌ}: صفة مشبهة تدل على شرف الرزق وطيبه وكثرته وخلوه من المنغصات والعيوب.
الإعراب والتركيب النحوي:
{لِّيَجْزِيَ}: اللام لام التعليل حرف جر، يجزي فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود على اسم الجلالة، والمصدر المؤول في محل جر باللام متعلق بـ (لتأتينكم).
{الَّذِينَ}: اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به.
{آمَنُوا}: فعل ماضٍ والواو فاعل، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
{وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ}: عطف على آمنوا، الصالحات مفعول به منصوب بالكسرة نيابة عن الفتحة لأنه جمع مؤنث سالم.
{أُولَٰئِكَ}: اسم إشارة مبني في محل رفع مبتدأ، والكاف للخطاب.
{لَهُم}: جار ومجرور خبر مقدم للمبتدأ الثاني (مغفرة).
{مَّغْفِرَةٌ}: مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة، والجملة الاسمية (لهم مغفرة) في محل رفع خبر المبتدأ الأول (أولئك).
{وَرِزْقٌ كَرِيمٌ}: عطف على مغفرة، وكريم نعت مرفوع.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إبراز الغاية الوجودية من وراء البعث: اتصلت الآية بما قبلها اتصال التعليل بالمعلل؛ فبعد أن أقسم على وقوع الساعة وإحاطة العلم، بين الحكمة السامية التي يقتضيها كمال الربوبية، وهي إقامة ميزان العدل ومجازاة المحسنين؛ إذ لو انقضت الحياة دون يوم قيامة لساوى الموت بين الصالح والطالح، وهذا ما ينزه عنه أحكم الحاكمين.
المزاوجة بين التخلية والتحلية: قدم المغفرة {لَهُم مَّغْفِرَةٌ} وهي تخلية ووقاية من عذاب النار وأهوالها، ثم ثنى بالرزق الكريم {وَرِزْقٌ كَرِيمٌ} وهو تحلية بالنعيم المقيم ودرجات الجنان العلى.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة العبثية في نفي البعث: يبرهن القرآن عقلياً على استحالة إنكار القيامة؛ فلو لم تكن هناك ساعة يُجزى فيها المؤمنون ويعاقب فيها المجرمون لكان خلق الكون وخلق المكلفين عبثاً وباطلاً: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ}؛ فالعدالة المطلقة التي فطر الله عليها العقول تستلزم حتماً وجود دار أخرى للجزاء والفصل التام.