القسم النبوي المؤكد على مجيء الساعة: يروي الطبري (ج 20، ص 361)مصدر غير محدد٢٠/٣٦١ وابن كثير (ج 6، ص 458)مصدر غير محدد٦/٤٥٨ عن ابن عباس وقتادة، أن المشركين لما أنكروا البعث مستهزئين وقالوا: لن تقوم القيامة ولن نبعث بعد الموت، أمر الله نبيه ﷺ أن يقسم بربه إقساماً جازماً قاطعاً لا تردد فيه بوقوعها: {قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ}، وهذا واحد من ثلاثة مواضع في القرآن الكريم أمر الله فيها رسوله بالقسم على البعث:
في سورة يونس: {وَيَسْتَنبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ ۖ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ}.
في سورة سبأ: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ ۖ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ}.
في سورة التغابن: {زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا ۚ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ}.
معنى (لا يعزب عنه مثقال ذرة): ينقل البغوي (ج 6، ص 367)مصدر غير محدد٦/٣٦٧ والقرطبي (ج 14، ص 270)مصدر غير محدد١٤/٢٧٠ عن أهل اللغة والتفسير، أن (يعزب) معناه: لا يغيب ولا يبعد ولا يختفي عن علمه وبصره، ومثقال الذرة هو أصغر ما يتصوره العرب من النمل الأحمر الصغير أو الهباء المتطاير في ضوء الشمس، وأثبت القرآن أن ما هو أدق وأصغر من الذرة (كالأجزاء الذرية المتناهية في الصغر) مدون محفوظ في اللوح المحفوظ (الكتاب المبين).
ضبط القراءات:
قرأ الجمهور: {عَالِمِ الْغَيْبِ} بجر الميم نعتاً لـ (ربي).
وقرأ حمزة والكسائي: {عَالِمُ الْغَيْبِ} برفع الميم على أنه خبر لمبتدأ محذوف تقديره (هو عالم الغيب).
وقرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر: {عَلَّامِ الْغَيْبِ} بصيغة المبالغة مع الجر.
وقرأ رويس عن يعقوب: {عَلَّامُ الْغَيْبِ} برفع الميم مع صيغة المبالغة.
وقرأ الجمهور: {لَا يَعْزُبُ} بضم الزاي، وقرأ الكسائي في رواية بكسر الزاي (يَعْزِبُ)، وهما لغتان فصيحتان: عَزَبَ يَعْزُبُ ويَعْزِبُ.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البنية اللغوية والمعجمية:
{يَعْزُبُ}: غاب وخفي وبعد. يقال: عزب عنه حلمه إذا طاش وبعد، ورجل عازب إذا بعد عن أهله وماله.
{مِثْقَالُ}: مفعال من الثقل، وهو مقدار ما يوزن به وله وزن وثقل ولو كان متناهياً في الصغر.
{ذَرَّةٍ}: النملة الصغيرة، أو الهباءة التي ترى في شعاع الشمس الداخل من كوة.
{كِتَابٍ مُّبِينٍ}: اللوح المحفوظ الذي بين فيه كل شيء بياناً قاطعاً لا يحتمل الشك.
{لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ}: لا نافية، تأتي فعل مضارع و(نا) مفعول به، الساعة فاعل مرفوع، والجملة مقول القول في محل نصب.
{قُلْ}: فعل أمر فاعله مستتر تقديره أنت.
{بَلَىٰ}: حرف جواب لإبطال النفي وتقرير ما بعده.
{وَرَبِّي}: الواو واو القسم حرف جر، ربي مجرور بالكسرة المقدرة للمتكلم، والجار والمجرور متعلقان بفعل قسم محذوف تقديره أقسم بربي.
{لَتَأْتِيَنَّكُمْ}: اللام واقعة في جواب القسم، تأتين فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، والكاف مفعول به، والفاعل ضمير مستتر تقديره هي يعود على الساعة.
{عَالِمِ الْغَيْبِ}: نعت لـ (ربي) مجرور بالكسرة، وهو مضاف والغيب مضاف إليه.
{لَا يَعْزُبُ عَنْهُ}: لا نافية، يعزب فعل مضارع، عنه جار ومجرور متعلقان به.
{فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ}: متعلقان بمحذوف نعت لـ (مثقال) أو بـ (يعزب).
{وَلَا أَصْغَرَ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْبَرَ}: قرأ الجمهور بالفتح على البناء مع (لا) النافية للجنس في محل نصب، وقرئ بالرفع عطفاً على (مثقال ذرة).
{إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ}: إلا أداة حصر واستثناء مفرغ، والجار والمجرور في محل رفع خبر لـ (لا) النافية للجنس، أو في محل نصب على الحال.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إلجام الخصم بالبرهان القاطع: لما ذكر منكروا البعث إنكارهم بصيغة القطع الجازم {لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ}؛ جاء الرد الإلهي الصارم بحرف الردع والإبطال {بَلَىٰ}، ثم أتبعه بالقسم بالربوبية الخاصة بالرسول {وَرَبِّي}، ثم بنوني التوكيد ولام القسم {لَتَأْتِيَنَّكُمْ}، ثم كشف العلة العقلية الكبرى لإمكان البعث والجزاء، وهي كمال العلم الإلهي المحيط بالذرات.
تفنيد أصل شبهة منكري البعث: أصل شبهة المنكرين هو: كيف تجمع أجسادنا إذا تفرقت ذراتها واستحالت تراباً واختلطت بأجزاء الأرض؟ فأجابهم بأن من أحاط علمه بكل ذرة وبما هو أصغر منها وما هو أكبر منها ودونها في كتاب مبين، لا يعجزه إعادة تركيب هذه الذرات وإحياء أصحابها في لحظة واحدة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة لماذا أقسم النبي ﷺ بربه ولم يكتفِ بإيراد الدليل العقلي: قد يقول مشكك: إذا كان القرآن معتمداً على الحجة العقلية، فلم يوجه النبي للقسم على وقوع الساعة؟
المحاكمة العقلية ودفع الإشكال:
القسم يصدر عن يقين مطلق قاطع: القسم برب العزة ينقل القضية من دائرة التردد إلى دائرة الثبوت الإلهي المحتوم؛ فالرسول لا يقسم إلا بما أطلعه الله عليه بوحي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.
الجمع بين القسم وإيراد الدليل العقلي الفارق: لم يقتصر النظم على القسم، بل أتبعه فوراً بالدليل العقلي الرياضي القاطع: {عَالِمِ الْغَيْبِ ۖ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ}؛ فالعقل يحكم بأن العليم بكل ذرة قادر على إعادة تركيب الذرات دون عناء.
الإعجاز العلمي في التنصيص على (ولا أصغر من ذلك): نبهت الآية قبل اكتشافات العلم الحديث بقرون متطاولة على وجود ما هو أصغر من الذرة (الإلكترونات والبروتونات والكواركات)، مما يؤكد أن هذا التنزيل من لدن عليم خبير محيط بدقائق الوجود.
الإحاطة والاستقصاء بألفاظ العموم: {مِثْقَالُ ذَرَّةٍ... وَلَا أَصْغَرَ مِن ذَٰلِكَ وَلَا أَكْبَرَ}؛ لم يدع شيئاً في الوجود إلا أدخله تحت دائرة العلم والكتابة المبينة.
التنكير في (كِتَابٍ مُّبِينٍ): للتعظيم والتهويل لعظمة هذا الكتاب المحيط بكل أحداث الوجود وأجزائه.
اللطائف التدبرية والإشارية:
إذا كان مثقال الذرة لا يغيب عن علم الله ومدون في كتابه، فكيف تغيب عن علمه حسنتك الخفية، أو تنهيدتك في السحر، أو مظلمتك التي كتمتها في صدرك؟ كل شيء محصى مدون.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي والتربوي:
مجابهة الشبهات باليقين الراسخ والحجة العقلية المسددة؛ فالداعية لا يداهن في أصول الاعتقاد، بل يواجه التشكيك بالبرهان واليقين.
غرس هيبة الكتاب والحساب؛ فاليقين باليوم الآخر هو الرادع الأعظم عن الظلم والدافع الأقوى للاستقامة.