عموم الرسالة المحمدية للثقلين كافة: يروي الطبري في "جامع البيان" (ج 20، ص 406)جامع البيانالطبري٢٠/٤٠٦ وابن كثير (ج 6، ص 479)مصدر غير محدد٦/٤٧٩ عن مجاهد وقتادة وابن عباس، أن هذه الآية نص قاطع في عموم رسالة النبي محمد ﷺ لجميع الخلق (الإنس والجن، الأسود والأحمر، العربي والعجمي) إلى يوم القيامة، وليست خاصة بقومه كما كان الأنبياء قبله يبعثون إلى أقوامهم خاصة؛ كما صح في الحديث المتفق عليه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، أن النبي ﷺ قال: «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي... وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً» (صحيح البخاري، رقم 335، وصحيح مسلم، رقم 521)؛ وهو بشير للمؤمنين برضوان الله وجنته، ونذير للكافرين من غضبه وعذابه؛ ولكن أكثر الناس لا يعلمون حقيقة هذه النبوة وعمومها لإعراضهم وجهلهم بالحق.
إعراب (كافة للناس): يقرر الزجاج والقرطبي (ج 14، ص 306)مصدر غير محدد١٤/٣٠٦ وابن عاشور (ج 22، ص 179)مصدر غير محدد٢٢/١٧٩ أن {كَافَّةً} حال؛ إما حال من (الناس) تقدمت عليها؛ أي وما أرسلناك إلا للناس كافة (جامعين مستوعبين)، أو حال من الكاف في (أرسلناك)؛ أي كافّاً للناس عن المعاصي والضلالات، والأول هو مذهب جمهور المفسرين والنحاة؛ لأن الكافة في الاستعمال العربي اسم ملازم للبناء على التأنيث الدال على الجماعة المستغرقة لجميع الأفراد.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البنية اللغوية والمعجمية:
{كَافَّةً}: من الكَفّ وهو المنع، وسُميت الجماعة المستغرقة كافة لأنها تكف غيرها عن الدخول معها لكثرتها واستيعابها للجميع، أو لأنها تحيط بجميع أفراد النوع فلا يخرج عنها أحد.
{بَشِيرًا}: فعيل للمبالغة في البشارة، وهو المخبر بالخير والسرور العظيم.
{نَذِيرًا}: المخوف المحذر من العواقب الوخيمة والنكال.
الإعراب والتركيب النحوي:
{وَمَا}: الواو استئنافية، ما نافية.
{أَرْسَلْنَاكَ}: فعل ماضٍ ونا فاعل، والكاف مفعول به.
{إِلَّا}: أداة حصر واستثناء مفرغ.
{كَافَّةً}: حال متقدمة من المجرور (الناس)، أو حال من الكاف (أي كافاً لهم).
{لِّلنَّاسِ}: جار ومجرور متعلقان بـ (أرسلناك) أو بـ (كافة).
{بَشِيرًا}: حال ثانية من الكاف منصوبة بالفتحة.
{وَنَذِيرًا}: عطف على (بشيراً) منصوب.
{وَلَٰكِنَّ}: الواو حالية أو عاطفة، لكن حرف مشبه بالفعل يفيد الاستدراك.
{أَكْثَرَ النَّاسِ}: أكثر اسم لكن منصوب، الناس مضاف إليه مجرور.
{لَا يَعْلَمُونَ}: لا نافية، يعلمون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة في محل رفع خبر لكن.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إعلان عالمية الدعوة بعد إعلان التوحيد: بعد أن دكت الآيات السابقة أركان الشرك وأبطلت أصنام قريش ودعت إلى توحيد العزيز الحكيم؛ قررت هذه الآية ركيزة الإيمان الثانية وهي نبوة محمد ﷺ، مبينة أنها ليست رسالة محلية لبطون قريش أو أهل مكة، بل هي رسالة رب العالمين لكافة البشرية؛ فكما أن الله هو رب العالمين فكذلك رسوله مبعوث لكافة الناس.
الاستدراك الموقظ (ولكن أكثر الناس لا يعلمون): استدراك بليغ يدفع التعجب من إعراض الأكثرين؛ فالخلل ليس في وضوح الرسالة ولا في عمومها، بل في جهل المكذبين وقصور مداركهم عن فهم كمال الرحمة الإلهية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة خصوصية الرسالة ببيئة العرب:
يزعم المستشرقون والمشككون أن الإسلام نشأ رسالة عربية محلية تعالج مشاكل الجزيرة العربية وقريش فقط!
المحاكمة العقلية ودفع الإشكال:
النصوص المكية والمدنية القاطعة بعموم الرسالة: سورة سبأ مكية نزلت في مكة والمسلمون مستضعفون، وقد صرحت بأعلى درجات البيان: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ}، ومثلها في سورة الأنبياء: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}، وفي سورة الفرقان: {لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا}؛ فالعالمية عقيدة متجذرة منذ فجر الدعوة وليست تطوراً سياسياً لاحقاً.
وحدة الفطرة البشرية وكمالية الشريعة: البشر كلهم متساوون في أصل الخلقة والاحتياج إلى التوحيد والعدل والأخلاق؛ والرسالة الخاتمة تضمنت من القواعد الكلية والتشريعات الصالحة لكل زمان ومكان ما يستوعب حاجات الأمم قاطبة في كل عصر ومصر.