مقياس الكفار الفاسد في ربط النعم الدنيوية بالرضا الإلهي: يروي الطبري في "جامع البيان" (ج 20، ص 417)جامع البيانالطبري٢٠/٤١٧ وابن كثير (ج 6، ص 483)مصدر غير محدد٦/٤٨٣ عن قتادة ومجاهد وابن عباس، أن مترفي قريش وسائر الأمم المكذبة قالوا مفاخرين مستكبرين: نحن أكثر منكم ومن أتباعكم أموالاً وثروات، وأعز نفراً وأكثر أولاداً وعشيرة؛ وقاسوا الآخرة على الدنيا بقياسهم الفاسد فقالوا: لو لم يكن الله راضياً عنا وعن طريقتنا لما أعطانا هذه الأموال والأولاد، ولما بسط لنا الرزق وحرمكم؛ فكما فضلنا عليكم في الدنيا سنفضل عليكم في الآخرة إن كان هناك بعث، وما نحن بمعذبين في الدنيا ولا في الآخرة!
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البنية اللغوية والمعجمية:
{أَمْوَالًا}: تمييز مبين لوجه الكثرة، وهو كل ما يتموله الإنسان وينتفع به.
{أَوْلَادًا}: الذرية والعزوة والمقومات البشرية للقوة والتكاثر.
{بِمُعَذَّبِينَ}: واقع علينا عذاب الله أو نكاله في أي دار.
الإعراب والتركيب النحوي:
{وَقَالُوا}: الواو عاطفة، قالوا فعل ماضٍ وفاعله.
{نَحْنُ}: ضمير منفصل مبني في محل رفع مبتدأ.
{أَكْثَرُ}: خبر المبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة.
{أَمْوَالًا}: تمييز منصوب بالفتحة الظاهرة.
{وَأَوْلَادًا}: معطوف على (أموالاً) منصوب.
{وَمَا}: الواو عاطفة، ما نافية تعمل عمل ليس (حجازية) أو مهملة (تميمية).
{نَحْنُ}: ضمير منفصل في محل رفع اسم ما.
{بِمُعَذَّبِينَ}: الباء حرف جر زائد لتأكيد النفي، معذبين اسم مجرور لفظاً منصوب محلاً خبر ما بالياء لأنه جمع مذكر سالم، وجمل مقول القول في محل نصب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
كشف المنطق المادي البحت للجاهلية: تتصل الآية بسابقتها اتصال البرهان بالنتيجة؛ فلما قال المترفون: إنا كافرون بما أرسلتم به، أرادوا أن يبرروا هذا الكفر أمام الأتباع؛ فاستندوا إلى الدليل المادي الملموس في نظرهم: تفوقهم المالي والعددي؛ فإذا كان مقياس الحق والباطل عندهم هو كثرة الأموال والأولاد، فإنهم يرون أنفسهم الأحق بالاتباع والأبعد عن عذاب الله!
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة قياس كرامة الآخرة على عطاء الدنيا (مغالطة الاستدراج):
يتوهم الجاهل أن بسط الرزق له في الدنيا دليل على محبة الله له ورضاه عن كفره!
المحاكمة العقلية ودفع الإشكال:
الدنيا دار ابتلاء لا دار جزاء: عطاء الدنيا يعطيه الله للمؤمن والكافر، والصالح والفاجر؛ بل قد يعطي الكافر استدراجاً وإملاءً ليزداد إثماً: {أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ * نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ ۚ بَل لَّا يَشْعُرُونَ}.
كرامة الآخرة مشروطة بالإيمان والعمل الصالح: المعيار الحقيقي لمنزلة العبد عند ربه هو طهارة قلبه وصالح عمله، لا حجم ثروته وعدد أولاده؛ كما قال النبي ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ» (صحيح مسلم، رقم 2564)صحيح مسلممسلمحديث رقم ٢٥٦٤.