بيان ما كان يصنعه الجن لسليمان عليه السلام: يروي الطبري (ج 20، ص 375)مصدر غير محدد٢٠/٣٧٥ وابن كثير (ج 6، ص 464)مصدر غير محدد٦/٤٦٤ عن مجاهد وقتادة والضحاك والسدي، تفاصيل ما سخر الله الجن لعمله لسليمان عليه السلام:
{مِن مَّحَارِيبَ}: المحاريب هي المساجد الشريفة ودور العبادة والصلاة، والقصور المنيفة والمباني الحصينة.
{وَتَمَاثِيلَ}: صور ونقوش مجسمة من نحاس ورخام وزجاج، وكانت لصور الطير والحيوانات والملائكة والأنبياء؛ وكانت مباحة في شريعة سليمان، ثم نسخت وحرمت في شريعة الإسلام حسماً لمادة الشرك وسداً لذريعة عبادة الصور.
{وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ}: الجفان جمع جفنة وهي القصعة الكبيرة التي يوضع فيها الطعام، والجِواب جمع جابية وهي الحوض الكبير الذي يجمع فيه الماء؛ أي قصاع هائلة كالأحواض العظيمة يجتمع على القصعة الواحدة مئات الرجال للأكل من كرم سليمان وإطعامه للجيوش والفقراء.
{وَقُدُورٍ رَّاسِيَاتٍ}: قدور ضخمة لطبخ اللحوم ثابتات راسيات على الأثافي لا تنزل ولا تحرك من عظمها وكبرها.
الأمر بالشكر العملي وبيان قلة الشاكرين: يروي أحمد في الزهد وابن جرير عن ثابت البناني قال: كان داود عليه السلام قد جزأ ساعات الليل والنهار على أهله، فلم تكن تأتي ساعة من ليل ولا نهار إلا وإنسان من آل داود قائم يصلي ويسبح؛ امتثالاً لقوله تعالى: {اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا}؛ ثم علق سبحانه بالحقيقة المؤلمة: {وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ}، والشكور هو دائم الشكر بقلبه ولسانه وجوارحه.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البنية اللغوية والمعجمية:
{مَّحَارِيبَ}: جمع محراب، وهو صدر المجلس وأشرف موضع في البيت أو المسجد، وسُمي محراباً لأن المصلي يحارب فيه الشيطان ونفسه الأمارة.
{تَمَاثِيلَ}: جمع تمثال، وهو كل مصور مجسم على مثال وشكل خلق من خلقه.
{جِفَانٍ}: جمع جفنة، وهي القصعة الواسعة العظيمة لإطعام الطعام.
{كَالْجَوَابِ}: جمع جابية، وهي الحوض العظيم الضخم يجبي الماء ويجمعه.
{رَّاسِيَاتٍ}: ثابتات لا تنقل لعظمها وضخامتها من الرسو وهو الثبات.
{الشَّكُورُ}: صيغة مبالغة من شكر، تدل على كثرة الشكر ودوامه بالقول والعمل والاعتقاد.
الإعراب والتركيب النحوي:
{يَعْمَلُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو فاعل.
{لَهُ}: جار ومجرور متعلقان بـ (يعملون).
{مَا يَشَاءُ}: ما اسم موصول مفعول به، وجملة يشاء صلته والفاعل مستتر.
{مِن مَّحَارِيبَ}: جار ومجرور بيان لـ (ما)، مجرور بالفتحة لمنعه من الصرف على صيغة منتهى الجموع.
{وَتَمَاثِيلَ}: معطوف مجرور بالفتحة أيضاً.
{وَجِفَانٍ}: معطوف مجرور بالكسرة لأنه مصروف.
{كَالْجَوَابِ}: جار ومجرور نعت لـ (جفان)، والجواب مجرور بالكسرة المقدرة على الياء المحذوفة للتخفيف.
{اعْمَلُوا}: فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، والجملة مقول قول محذوف؛ أي قلنا يا آل داود اعملوا.
{آلَ دَاوُودَ}: آل منادى مضاف منصوب بحرف نداء محذوف، وداود مضاف إليه مجرور بالفتحة.
{شُكْرًا}: مفعول لأجله منصوب بالفتحة (أي اعملوا الصالحات لأجل الشكر)، أو مفعول مطلق لفعل محذوف، أو مفعول به لـ (اعملوا)؛ أي اعملوا الشكر بجوارحكم.
{وَقَلِيلٌ}: الواو حالية أو استئنافية، قليل خبر مقدم مرفوع بالضمة.
{مِّنْ عِبَادِيَ}: جار ومجرور نعت لـ (قليل) أو متعلقان به.
{الشَّكُورُ}: مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة، أو قليل مبتدأ والشكور نعت والخبر محذوف.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الارتباط الحتمي بين النعم والشكر العملي: لما أفرغت الآية السابقة تفاصيل الملك المهيب والأبهة والقدرات الصناعية الخارقة المسخرة لآل داود، جاء التعقيب الرباني الصارم فوراً: {اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا}؛ ليقرر أن الملك والتمكين ليسا غاية للاستعلاء أو اللهو والتفاخر، بل هما أمانة ثقيلة تستوجب قيام الليل وصيام النهار وإطعام المساكين والجهاد والعدل.
الاحتراس والتحذير في ختام الآية: قوله سبحانه {وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} لفتة نفسية وتنبيه إلهي بليغ يوقظ الغافلين؛ لأن طغيان النعم يورث البطر والغفلة والنسيان، والشاكر الحق الثابت على شكر النعم عزيز نادر في بني آدم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة حكم التماثيل والتناقض بين الشرائع:
يثير بعضهم إشكالاً: كيف يصنع لسليمان تماثيل والتماثيل محرمة ملعون صانعوها في الإسلام؟
المحاكمة العقلية ودفع الإشكال:
شريعة من قبلنا تلزمنا ما لم يرد شرعنا بخلافها: الشرائع الإلهية تتفق في أصول العقيدة والتوحيد والأخلاق، ولكن الأحكام الفرعية والتشريعات تختلف باختلاف الزمان وحاجة الأمم لحكمة يعلمها الله: {لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا}.
سد الذرائع في الشريعة الخاتمة: التماثيل في شريعة سليمان لم تكن تعبد ولم تكن ذريعة للشرك لقوة التوحيد ورسوخه حينئذ؛ ولما كانت العرب حديثة عهد بعبادة الأصنام، جاءت الشريعة الإسلامية الخاتمة بتحريم تصوير ذوات الأرواح وصناعة التماثيل حسماً لمادة عبادة الأوثان وسداً لذريعة التعظيم الشركي؛ كما صح في الحديث: «إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمُصَوِّرُونَ» (صحيح البخاري، رقم 5950)صحيح البخاريالبخاريحديث رقم ٥٩٥٠.
استقرار الحكم ووضوحه: لا تناقض بين الشرائع، بل هو نسخ تشريعي حكيم حماه الإسلام صيانة لتوحيد الأمة من تسرب الوثنية.
التشبيه المرسل المجمل في (وجفان كالجواب): تشبيه بديع لقصاع الإطعام بالأحواض المائية العظيمة؛ للدلالة على الكرم المطلق والسخاء النبوي في إطعام الطعام.
التعبير بالعمل في الشكر (اعملوا... شكراً): بيان أن الشكر الحقيقي يتجاوز التمتمة اللسانية إلى حركة الجوارح بالطاعات وبذل المال وحماية الدين.
صيغة المبالغة (الشكور): تدل على من تكرر منه الشكر في السراء والضراء، وشهد فضل المنعم في كل نفس.
اللطائف التدبرية والإشارية:
كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يسمع رجلاً يقول: «اللهم اجعلني من القليل»، فقال: ما هذا؟ قال: يا أمير المؤمنين سمعت الله يقول: {وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ}، فأنا أسأله أن يجعلني من ذلك القليل؛ فقال عمر: «كل الناس أفقه منك يا عمر!»؛ فطلب القلة الشاكرة مطلب الصديقين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي والتربوي:
تربية الأسرة على روح العبادة والإنفاق والشكر؛ فداود وجه الخطاب لأسرته {آلَ دَاوُودَ} ليكون البيت كله محراب عبادة.
الحذر من الاغترار بالكثرة؛ فالحق وأهله قليل في كل زمان، والشاكرون قلة مختارة.
العمل والوجدان الإيماني:
تحقيق أركان الشكر الثلاثة: اعتراف القلب بالنعمة، ولهج اللسان بالحمد، وتسخير الجوارح في الطاعة والإنفاق.
التذلل إلى الله بالدعاء: «اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ».