بيان حكمة الله في بسط الرزق وقبضه وفق مشيئته لا لكرامة ولا لهوان: يروي الطبري في "جامع البيان" (ج 20، ص 418)جامع البيانالطبري٢٠/٤١٨ وابن كثير (ج 6، ص 484)مصدر غير محدد٦/٤٨٤ عن قتادة ومجاهد وابن عباس، أن الله تعالى أمر نبيه ﷺ أن يرد على شبهة المترفين السابقة رداً يصحح الفهم الكوني للرزق؛ فبيّن أن الرزق في الدنيا ليس مقياساً للمحبة والرضا ولا للهوان والغضب؛ بل هو مقسوم بمشيئة الله وحكمته البالغة: يبسط الرزق (يوسعه ويكثره) لمن يشاء من عباده امتحاناً وابتلاءً: أيشكر أم يكفر؟ ويقدر الرزق (يضيقه ويقتره) على من يشاء ابتلاءً: أيصبر أم يسخط؟ فقد يوسع على الكافر استدراجاً، ويضيق على الصالح والرسول ادخاراً لثوابه في الآخرة؛ ولكن أكثر الناس لجهلهم بسنن الله لا يعلمون هذه الحكمة الإلهية فيظنون أن سعة الرزق دليل الكرامة وضيقها دليل الإهانة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البنية اللغوية والمعجمية:
{يَبْسُطُ}: يوسع ويفيض بالمال والرزق بلا حصر.
{يَقْدِرُ}: يضيق ويقتر بمقدار الكفاف، من القَدْر والتضييق، كما في قوله: {وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ}.
الإعراب والتركيب النحوي:
{قُلْ}: فعل أمر فاعله مستتر تقديره أنت.
{إِنَّ}: حرف توكيد ونصب.
{رَبِّي}: اسم إن منصوب بالفتحة المقدرة، والياء مضاف إليه.
{يَبْسُطُ الرِّزْقَ}: فعل مضارع وفاعله ومفعوله، والجملة في محل رفع خبر إن، والجملة مقول القول.
{لِمَن يَشَاءُ}: اللام حرف جر، من موصول مجرور، وجملة يشاء صلته، والجار والمجرور متعلقان بـ (يبسط).
{وَيَقْدِرُ}: معطوف على (يبسط) وفاعله مستتر ومفعوله محذوف تقديره (ويقدر الرزق لمن يشاء).
{وَلَٰكِنَّ}: حرف استدراك ونصب.
{أَكْثَرَ النَّاسِ}: اسم لكن ومضاف إليه.
{لَا يَعْلَمُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة في محل رفع خبر لكن.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إبطال الدليل المادي بقانون المشيئة والحكمة: جاءت هذه الآية رداً مباشراً حاسماً على دعوى المترفين {نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا}؛ فبينت أن وفرة أموالهم ليست لفضل ذاتي فيهم ولا لرضا الله عنهم، بل بمشيئة الرزاق الذي يسوق الرزق بحكمته وفق نظام الابتلاء الكوني؛ فبطل استدلالهم وسقط قياسهم الفاسد.
تكرار خاتمة (ولكن أكثر الناس لا يعلمون): تكررت هذه الخاتمة ثلاث مرات في السورة (آية 28، 36، وغيرها)؛ للتنبيه على أن الجهل بحقائق الوحي وسنن الرزق والبعث هو الداء الوبيل المستشري في أكثرية البشرية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة لماذا يرزق الله الكفار والمجرمين أكثر من الصالحين أحياناً:
قد يقع في نفس الإنسان تساؤل: لماذا نرى الطغاة والملاحدة في قمة الثراء والتمكين المادي، بينما يعاني بعض الصالحين الفقر والضيق؟
المحاكمة العقلية ودفع الإشكال:
حقارة الدنيا عند الله: الدنيا لا تزن عند الله جناح بعوضة، فلو كانت تزن جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء (سنن الترمذي، رقم 2320)سنن الترمذيالترمذيحديث رقم ٢٣٢٠؛ فلصغر شأنها أعطاها من يحب ومن لا يحب، وأفرد الآخرة ونعيمها لمن يحب من أهل التوحيد.
الحكمة في اختلاف الأرزاق: لو بسط الله الرزق لكل الناس لبغوا في الأرض ولتعطلت مصالح العمران القائمة على التعاون وتنوع المهن؛ ففاوت الله بينهم لحكم باهرة: {نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا}.