الفصل الإلهي بالعدل والحق في يوم القيامة: يروي الطبري في "جامع البيان" (ج 20، ص 404)جامع البيانالطبري٢٠/٤٠٤ وابن كثير (ج 6، ص 478)مصدر غير محدد٦/٤٧٨ عن قتادة ومجاهد وابن عباس، أن النبي ﷺ أمر أن ينهي هذه المحاكمة والمناظرة بالرد إلى المحكمة الإلهية الكبرى يوم القيامة؛ حيث يجمع الله الخلائق كلهم (المحقين والمبطلين، الأنبياء والمكذبين) في صعيد واحد، ثم يقضي ويفصل بينهم بحكمه العدل وقضائه الحق؛ فيدخل الصادقين الجنة بفضله ورحمته، ويدخل الكافرين والمجرمين النار بعدله؛ وهو سبحانه {الْفَتَّاحُ} القاضي العادل بين عباده، {الْعَلِيمُ} ببواطن أمورهم وحقائق أعمالهم وجزائها.
معنى (يفتح بيننا) و(الفتاح): يوضح القرطبي (ج 14، ص 303)مصدر غير محدد١٤/٣٠٣ والسعدي (ص 678)مصدر غير محدد٦٧٨ أن الفتح في لغة العرب هو القضاء والحكم؛ ومنه قوله تعالى: {رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ}، وأهل عمان يسمون القاضي (الفاتح) أو (الفتاح)؛ فالفتاح هو الذي يحكم بين الخصوم بالقسط، ويفتح أبواب الرحمة والرزق والهدى لأوليائه.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البنية اللغوية والمعجمية:
{يَجْمَعُ}: يضم الأشتات ويحشر الأولين والآخرين في صعيد واحد يوم البعث.
{يَفْتَحُ}: يقضي ويفصل ويحكم بالحق والعدل.
{الْفَتَّاحُ}: صيغة مبالغة، وهو الحاكم القاضي الذي يفتح بحكمه كل أمر مستغلق ويقضي بين العباد، وفاتح خزائن الرحمات والبركات.
{الْعَلِيمُ}: المحيط بكل سر وعلانية، فلا يلتبس عليه حق بباطل.
الإعراب والتركيب النحوي:
{قُلْ}: فعل أمر فاعله مستتر تقديره أنت.
{يَجْمَعُ بَيْنَنَا}: يجمع فعل مضارع مرفوع، بيننا ظرف متعلق بـ (يجمع) ونا مضاف إليه.
{يَفْتَحُ بَيْنَنَا}: فعل مضارع معطوف على (يجمع)، والفاعل مستتر تقديره هو، وبيننا متعلقان به.
{بِالْحَقِّ}: جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من الفاعل؛ أي يفتح متلبساً بالحق والعدل.
{وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ}: الواو حالية أو استئنافية، هو مبتدأ، الفتاح خبر أول، العليم خبر ثانٍ مرفوعان بالضمة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
خاتمة السلسلة الحوارية بالمحاكمة الأخروية الشريفة: انتظمت الآيات الأربع (23-26) في سياق مناظرة محكمة:
إثبات أن أحد الفريقين على هدى والآخر في ضلال (آية 24).
تجريد الخصومة وبيان استقلال المسؤولية الفردية (آية 25).
إنهاء الجدال بالاحتكام إلى محكمة يوم الحشر، وقضاء القاضي العدل العليم (آية 26)؛ ليعلم المشرك المعاند أن هروبه من الاعتراف بالحق في الدنيا لن ينجيه من قضاء الفتاح العليم في الآخرة.
التدرج بـ (ثم) بين الجمع والفتح: {يَجْمَعُ... ثُمَّ يَفْتَحُ}؛ لأن الجمع والحشر يقع أولاً، ثم تعقبه المحاكمة والحساب والفصل بالحق بعد أهوال ومواقف القيامة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة استمرار الخلاف الديني في الدنيا:
قد يقول قائل: لماذا لم يفصل الله الخلاف بين المؤمنين والكافرين في الدنيا حسماً للشبهات؟
المحاكمة العقلية ودفع الإشكال:
الدنيا دار ابتلاء وتكليف لا دار حساب وجزاء: لو فُصل الأمر في الدنيا عياناً بزوال الباطل وإظهار الحق قهراً لبطلت حكمة الابتلاء، ولآمن الناس كلهم اضطراراً؛ ولكن الله جعل الآخرة موعداً للجمع والفتح ليتميز من آمن بالغيب واستجاب للبرهان.
كمال الثقة بظهور الحق: الداعية الصادق لا يضيق صدره بإنكار الجاحدين؛ لأنه يعلم أن له يوماً مشهوداً يجمع الله فيه الأولين والآخرين ويفصل بينهم الفتاح العليم بالحق.
التعبير بالربوبية المضافة (ربنا): إقرار بأن الخالق المتصرف في الجميع هو رب واحد يدين له الخلق بالعبودية، وإليه مرجعهم.
استعمال صيغة الفتح (يفتح / الفتاح): مجاز بليغ صور الخصومة والالتباس في الدنيا كأنه باب مغلق مستعصٍ، والحكم الإلهي هو الفتح المبين الذي يكسر الأغلاق ويزهق الباطل.
الاقتران بين الاسمين الحسنيين (الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ): لأن القضاء العادل الكامل يتطلب أمرين: سلطة الحكم والقضاء النافذ (الفتاح)، والعلم التام المستقصي المحيط بكل دقائق القضايا والأعمال والنيات (العليم)؛ فالقاضي البشري قد يفتح ويقضي بالظاهر فيخطئ لجهله بالباطن، أما الفتاح العليم فقضاؤه الحق المطلق.
اللطائف التدبرية والإشارية:
إذا ضاقت بك السبل، وظُلمت في الدنيا، وعجزت عن إثبات حقك؛ فثق بالفتاح العليم الذي يفتح المغلقات وينصر المظلوم ويفصل في ساحات العدل يوم القيامة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي والتربوي:
ترويض النفس على تفويض الأمر إلى الله وعدم اليأس من تأخر نصر الحق؛ فالفصل الحقيقي قادم لا ريب فيه.
التحاكم إلى الحق في الخصومات الدنيوية، وتجنب البغي والافتراء.
العمل والوجدان الإيماني:
التعبد لله باسمه (الفتاح) ودعاؤه بأن يفتح لنا أبواب رحمته، ورزقه، وهدايته، وفهمه لكتابه.
الاستعداد للمثول بين يدي الفتاح العليم بتنقية القلوب ومظالم العباد.