تأكيد تصريف الرزق الإلهي ووعد الخلف التام للمنفقين: يروي الطبري في "جامع البيان" (ج 20، ص 422)جامع البيانالطبري٢٠/٤٢٢ وابن كثير (ج 6، ص 485)مصدر غير محدد٦/٤٨٥ عن مجاهد وقتادة وابن عباس، أن الله تعالى يعيد تقرير القاعدة الكونية في بسط الرزق وتضييقه بمشيئته سبحانه لمن يشاء من عباده امتحاناً، ثم يفتح الباب العظيم للرجاء الإيماني وبذل الأموال؛ فيعد سبحانه وعداً حقاً لا يخلف: أن كل ما أنفقه العبد المؤمن من نفقة في طاعة الله، سواء في الجهاد، أو الصدقة على الفقراء والمساكين، أو النفقة الواجبة على الأهل والعيال، أو وجوه البر والإحسان، فإن الله تعالى يخلفه عليه في الدنيا ببركة الرزق والبدل الصالح، أو يدخره له في الآخرة بالنعيم والدرجات العلى، أو بهما جميعاً؛ وهو سبحانه خير الرازقين؛ لأنه الرازق الحق الذي يعطي بلا منّ ولا أذى، ويرزق من غير حساب.
الشاهد من الحديث النبوي الشريف: يروي البخاري (رقم 1442)مصدر غير محددحديث رقم ١٤٤٢ ومسلم (رقم 1010)مصدر غير محددحديث رقم ١٠١٠ عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي ﷺ قال: «مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ الْعِبَادُ فِيهِ إِلَّا مَلَكَانِ يَنْزِلَانِ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الآخَرُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا». وفي صحيح مسلم (رقم 2588)مصدر غير محددحديث رقم ٢٥٨٨ قال ﷺ: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالٍ».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البنية اللغوية والمعجمية:
{يُخْلِفُهُ}: يعوضه ويعطيه بدلاً عنه خيراً منه وأعظم بركة ونماءً.
{خَيْرُ الرَّازِقِينَ}: أفضل من أعطى ووهب؛ فرزق العباد بعضهم لبعض مجازي ومحدود، ورزق الله حقيقي ومطلق بلا انقطاع.
{وَيَقْدِرُ لَهُ}: عطف، والجار والمجرور متعلقان بـ (يقدر).
{وَمَا}: الواو استئنافية أو عاطفة، ما اسم شرط جازم أو اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به مقدم لـ (أنفقتم).
{أَنفَقْتُم}: فعل ماضٍ والتاء فاعل وهو في محل جزم فعل الشرط.
{مِّن شَيْءٍ}: جار ومجرور بيان لـ (ما) أو نعت له.
{فَهُوَ}: الفاء رابطة لجواب الشرط، هو ضمير منفصل مبتدأ.
{يُخْلِفُهُ}: فعل مضارع ومفعوله، والفاعل مستتر تقديره هو، والجملة خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل جزم جواب الشرط.
{وَهُوَ}: الواو حالية أو استئنافية، هو مبتدأ.
{خَيْرُ الرَّازِقِينَ}: خير خبر المبتدأ مرفوع بالضمة، الرازقين مضاف إليه مجرور بالياء لأنه جمع مذكر سالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إزالة الخوف من الفقر وتشجيع الإنفاق: بعد أن حذر في الآيات السابقة من التفاخر بالأموال والأولاد وبيّن أنها لا تقرب إلى الله إلا بالإنفاق الصالح؛ كان من الطبيعي أن يهمس الشيطان للإنسان بالفقر: إذا أنفقت مالك قلّ ونقص! فجاءت هذه الآية لتستأصل وساوس الشح والحرص من النفوس؛ فأكدت أن الرزاق هو الله، وأن ما ينفقه العبد لا يضيع ولا ينقص، بل يتبعه خلف رباني مضمون من خير الرازقين!
الجمع بين البسط والتقتير في حق الشخص الواحد (يقدر له): في الآية 36 قال: {يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ}؛ وهنا زاد لفظة {لَهُ}؛ ليدل على أن الله قد يبسط الرزق للعبد في وقت ويقدر عليه في وقت آخر لمصلحته وتزكيته؛ فكل ذلك بحكمته وتدبيره.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة كيف يخلف الله النفقة ونرى بعض المنفقين قد يقل ماله ظاهراً:
قد يقول مشكك أو ضعيف إيمان: أنفق فلان وتصدق ومع ذلك قل ماله أو افتقر!
المحاكمة العقلية ودفع الإشكال:
تنوع أشكال الخلف الإلهي: الخلف ليس محصوراً في رجوع العملة الورقية ذاتها وزيادة الرصيد المالي في الحساب البنكي؛ فالخلف قد يكون بدفع بلاء نازل كان سيلتهم أضعاف المال، أو بصحة في البدن، أو صلاح في الزوج والولد، أو بركة وطمأنينة في العيش، أو انشراح في الصدر يزن الدنيا وما فيها؛ وكل هذا أعظم من المال المجرد.
الخلف الأخروي هو الأعظم والأبقى: ما يدخره الله للمنفق في الغرفات والدرجات العلى هو النعيم الدائم الذي لا يفنى؛ فالحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، وهذا هو الخلف الحقيقي الذي يغبط عليه العبد يوم القيامة.
شرط الإخلاص والنفقة الطيبة: الخلف موعود لمن أنفق ابتغاء وجه الله من كسب طيب، لا لمن أنفق رياء وسمعة أو من مال حرام خبيث.
العموم البالغ في (مَا أَنفَقْتُم مِّن شَيْءٍ): بـ (ما) الشرطية وتنكير (شيء) المسبوق بـ (من) الاستغراقية؛ ليدل على أن أي نفقة مهما صغرت (ولو شق تمرة، أو درهم، أو لقمة في فم الزوجة) داخلة في الوعد ومضمونة بالخلف التام.
الفاء الرابطة والتصدير بالضمير (فَهُوَ يُخْلِفُهُ): للدلالة على سرعة ترتب الخلف وثبوته القطعي بذات الله العلية.
التذييل باسم التفضيل (وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ): لإسقاط الخوف من الفقر ولفت الأنظار إلى غنى خزائن الله التي لا تنفد.
اللطائف التدبرية والإشارية:
التعامل مع الله في الصدقة تجارة مضمونة الأرباح لا تعرف الخسارة؛ فالمنفق يقرض الغني الحميد الذي يرد القرض مضاعفاً موفوراً.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي والتربوي:
حث المسلمين على الإنفاق والبذل في مشاريع البر والتعليم والجهاد وبناء الأمة؛ فالمال وسيلة للبقاء الأخروي.