مشهد الحشر وسؤال التبكيت للمشركين وبراءة الملائكة: يروي الطبري في "جامع البيان" (ج 20، ص 424)جامع البيانالطبري٢٠/٤٢٤ وابن كثير (ج 6، ص 486)مصدر غير محدد٦/٤٨٦ عن قتادة ومجاهد وابن عباس، أن الله تعالى ينقل المشهد إلى يوم القيامة حين يجمع الخلائق كلهم من الإنس والجن، والعابدين والمعبودين، في صعيد واحد؛ ثم يوجه الله سبحانه السؤال للملائكة المقربين الذين عبدهم المشركون وزعموا أنهم بنات الله وأنهم يشفعون لهم: {أَهَٰؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ}؟ وسؤال الله للملائكة ليس طلباً للعلم؛ فالله عليم بكل شيء، وإنما هو سؤال تقريع وتوبيخ للمشركين وتبكيت لهم على رؤوس الأشهاد، وإظهار لبراءة الملائكة الأطهار من شرك المشركين، كما سيسأل عيسى بن مريم عليه السلام: {أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ}.
ضبط القراءات:
قرأ الجمهور: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ} بياء الغيبة؛ أي يحشرهم الله.
وقرأ حفص ويعقوب: {وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ} بالياء أيضاً، وقرأ نافع وابن عامر وعاصم في رواية وشعبة: {وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ} بنون العظمة، وكذلك {ثُمَّ نَقُولُ} بنون العظمة، وهي قراءات سبعية متواترة تدل على عظمة القدرة الإلهية الحاشرة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البنية اللغوية والمعجمية:
{يَحْشُرُهُمْ}: يجمعهم من قبورهم ويسوقهم إلى الموقف للحساب والجزاء.
{جَمِيعًا}: لا يتخلف منهم أحد من الأولين والآخرين.
{أَهَٰؤُلَاءِ}: إشارة للمشركين المعروضين في ساحة الحساب.
{إِيَّاكُمْ}: ضمير منفصل متقدم لإفادة الاختصاص والحصر في السؤال.
الإعراب والتركيب النحوي:
{وَيَوْمَ}: الواو استئنافية، يوم ظرف زمان منصوب بفعل محذوف تقديره (واذكر يومَ)، أو متعلق بمحذوف تقديره (يقع الحساب يومَ).
{يَحْشُرُهُمْ}: فعل مضارع مرفوع، والفاعل مستتر تقديره هو (أو نحن بالنون)، والهاء مفعول به، والجملة في محل جر بإضافة الظرف إليها.
{جَمِيعًا}: حال منصوبة بالفتحة من ضمير المفعول في (يحشرهم).
{ثُمَّ}: حرف عطف للتراخي الرتبي والزماني.
{يَقُولُ}: فعل مضارع معطوف على (يحشرهم)، والفاعل مستتر تقديره هو.
{لِلْمَلَائِكَةِ}: متعلقان بـ (يقول).
{أَهَٰؤُلَاءِ}: الهمزة للاستفهام التقريري التوبيخي، ها للتنبيه، أولاء اسم إشارة مبتدأ.
{إِيَّاكُمْ}: ضمير منفصل مبني في محل نصب مفعول به مقدم لـ (يعبدون).
{كَانُوا}: فعل ماضٍ ناقص والواو اسمها.
{يَعْبُدُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة خبر كان، وجملة كان واسمها وخبرها في محل رفع خبر المبتدأ (أولاء)، والجملة الاستفهامية مقول القول في محل نصب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
فضح الشركاء والشفعاء على رؤوس الأشهاد: بعد أن بين في الآيات السابقة سخف الشرك ودحض شفاعة غير المأذون له؛ صور هنا المشهد القضائي النهائي في ساحة الحشر؛ حيث يحضر المشركون وتُسأل المعبودات التي كانوا يعلقون عليها آمال الشفاعة والتقريب، لتقع الفضيحة الكبرى للمشركين بلسان معبوداتهم أنفسهم؛ فيسقط ما في أيديهم ويتحسرون على ما فرطوا في جنب الله.
تقديم الضمير (إياكم) في السؤال: {أَهَٰؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ}؛ لفتة بلاغية تفيد الحصر؛ أي هل رضيتم بعبادتهم وكنتم أنتم المقصد لنسكهم وصلواتهم؟! وهو سؤال يمهد لإعلان الملائكة البراءة المطلقة والتوحيد الخالص في الآية التالية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة حكمة سؤال الملائكة مع علم الله بكفر المشركين:
قد يسأل سائل: لماذا يسأل الله الملائكة وهو يعلم أن المشركين عبدوهم والملائكة برآء من ذلك؟
المحاكمة العقلية ودفع الإشكال:
إقامة الحجة القضائية العلنية وتبكيت الظالمين: هذا الأسلوب معروف في المحاكمات العادلة؛ حيث يُسأل الشاهد الصادق ليسمع المجرم براءته وازدراءه لما فعله، فيكون ذلك أبلغ في حسرته وخزيه وسقوط كل شبهة لديه.
تكريم المعبودين بغير حق وتبرئتهم: إظهار لطهارة الملائكة والأنبياء والصالحين من رجس الشرك، وإثبات أنهم كانوا أبعد الناس عن الرضا بعبادة غير الله.