سعة العلم الإلهي المحيط بحركات الكون وأسراره: ينقل الطبري (ج 20، ص 360)مصدر غير محدد٢٠/٣٦٠ وابن كثير (ج 6، ص 457)مصدر غير محدد٦/٤٥٧ عن قتادة والسدي والحسن، أن الله تعالى يبين تفاصيل علمه المحيط بدقائق الكون وحركاته الأربع الكبرى المتقابلة:
{مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ}: من بذور ونبات، وقطرات ماء، وموتى يقبرون، ودواب تسكن أجحارها، وكنوز ومعادن تدفن فيها.
{وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا}: من زرع ونبات، وثمار وأشجار، وينابيع وعيون، وغازات ومعادن، وخروج الأموات عند البعث والنشور.
{وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاءِ}: من مطر وبرد، وصواعق ورحمات، وملائكة وأقدار وكتب إلهية ورزق.
الاقتران البديع بين الرحمة والمغفرة: يوضح القرطبي (ج 14، ص 268)مصدر غير محدد١٤/٢٦٨ وابن عاشور (ج 22، ص 142)مصدر غير محدد٢٢/١٤٢ أن ختام الآية بـ {وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ} يتنزل على إحاطة علمه سبحانه بضعف العباد وتفريطهم وذنوبهم التي تصعد مع أعمالهم، فمع علمه التام بنقائصهم لا يعاجلهم بالعقوبة بل يرحمهم ويغفر لهم إذا تابوا وأنابوا.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البنية اللغوية والمعجمية:
{يَلِجُ}: مضارع ولج يلج، وأصله يولج، حذفت الواو لوقوعها بين ياء مفتوحة وكسرة، ومعناه دخل ونفذ في باطن الشيء.
{يَعْرُجُ}: من العروج، وهو الصعود في انعطاف وميل، لأن مسالك السماء ليست مستقيمة صلبة بل فيها تعريج ومراقي.
{الرَّحِيمُ}: المفيض لجلائل النعم ودقائقها على أوليائه.
{الْغَفُورُ}: الساتر لذنوب عباده المتجاوز عن سيئاتهم.
الإعراب والتركيب النحوي:
{يَعْلَمُ}: فعل مضارع مرفوع بالضمة، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود على اسم الجلالة، والجملة في محل رفع خبر ثانٍ أو استئنافية لبيان علمه.
{مَا}: اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به.
{يَلِجُ فِي الْأَرْضِ}: فعل مضارع والفاعل مستتر والجار والمجرور متعلقان بـ (يلج)، والجملة صلة الموصول.
حركة هابطة وصاعدة بين السماء والأرض، وحركة داخلة وخارجة في جوف الأرض؛ لتدل على أن الكون كله محروس ومحاط بعلم الله وقدرته في كل لحظة وآن.
الاتصال بالآية السابقة: لما ذكر أنه {لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ}، بين هنا كمال تدبيره وعلمه بما يجري في هذين الملكين على وجه التفصيل والاستقصاء.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة الربط بين علم الطبيعة المادي والرحمة والمغفرة: قد يقول قائل: ما مناسبة ختام آية تتحدث عن حركات الكون الطبيعية (مطر ونبات ومعادن) بذكر الرحمة والمغفرة؟
المحاكمة العقلية ودفع الإشكال:
الأعمال البشرية داخلة في هذا العروج ومستوعبة فيه: من أعظم ما يعرج إلى السماء أعمال العباد، وفيها الطاعات والسيئات؛ فلما علم الله ما يعرج من خطايا العباد وغفلاتهم ناسب التذكير برحمته ومغفرته لئلا يقنطوا.
النعم المنزلة من السماء والأرض رحمة محضة: المطر النازل، والرزق الخارج من الأرض، كلها مظاهر لرحمة الله بعباده وتفضله عليهم رغم ذنوبهم؛ فالمغفرة تصرف العذاب، والرحمة تجلب الإنعام.
استحضار المراقبة الإيمانية: يعلم العبد أن كل خطوة يخطوها وكل حركة في الأرض مرصودة ومكتوبة، فيفزع إلى مغفرة الرحيم الغفور ليتدارك تقصيره.