شهادة أهل العلم الراسخين بصدق الوحي: ينقل الطبري (ج 20، ص 365)مصدر غير محدد٢٠/٣٦٥ وابن كثير (ج 6، ص 459)مصدر غير محدد٦/٤٥٩ عن قتادة ومجاهد وابن عباس، أن المراد بـ {الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ} هم صحابة رسول الله ﷺ وأهل الإيمان الراسخين، وقيل: مؤمنو أهل الكتاب كعبد الله بن سلام وأصحابه الذين عرفوا صدق النبي ﷺ وتطابق ما أنزل عليه مع ما في الكتب السابقة من البشارات ونعوت الحق؛ فهم يعلمون يقيناً برؤية البصيرة والعقل أن هذا القرآن هو الحق الصادق الذي لا لبس فيه ولا امتراء، وأنه يهدي السالكين إلى طريق الله العزيز الحميد.
تفسير الاسمين الجليلين (العزيز الحميد): يوضح القرطبي (ج 14، ص 274)مصدر غير محدد١٤/٢٧٤ والسعدي (ص 675)مصدر غير محدد٦٧٥ أن {الْعَزِيزِ} هو القوي الغالب الذي لا يمتنع عليه شيء ولا يغلبه غالب، و{الْحَمِيدِ} هو المحمود في ذاته وأسمائه وصفاته وشرعه؛ فصراطه الموصل إليه يجمع بين كمال العزة والهيبة، وكمال الحمد والإحسان.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البنية اللغوية والمعجمية:
{يَرَى}: الرؤية هنا قلبية علمية يقينية تتعدى إلى مفعولين، وليست بصرية.
{الْحَقَّ}: الشيء الثابت المطابق للواقع الذي لا يتغير ولا يزول.
{صِرَاطِ}: الطريق المستقيم الواضح الواسع الموصل إلى الغاية.
الإعراب والتركيب النحوي:
{وَيَرَى}: الواو استئنافية، يرى فعل مضارع مرفوع بالضمة المقدرة على الألف للتعذر.
{الَّذِينَ}: اسم موصول مبني في محل رفع فاعل لـ (يرى).
{أُوتُوا الْعِلْمَ}: فعل ماضٍ مبني للمجهول، والواو نائب فاعل وهو المفعول الأول، العلم مفعول به ثانٍ منصوب بالفتحة، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
{الَّذِي}: اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به أول لـ (يرى).
{أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ}: فعل ماضٍ مبني للمجهول ونائب فاعله مستتر، وإليك ومن ربك متعلقان به، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
{هُوَ}: ضمير فصل مبني لا محل له من الإعراب، أو مبتدأ خبره (الحق)، والجملة في محل نصب مفعول به ثانٍ.
{الْحَقَّ}: مفعول به ثانٍ لـ (يرى) منصوب بالفتحة (إذا كان هو ضمير فصل).
{وَيَهْدِي}: الواو عاطفة، يهدي فعل مضارع معطوف على (هو الحق) أو مستأنف، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود على القرآن (الذي أنزل إليك).
{إِلَىٰ صِرَاطِ}: جار ومجرور متعلقان بـ (يهدي).
{الْعَزِيزِ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة.
{الْحَمِيدِ}: نعت لـ (العزيز) مجرور بالكسرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المقابلة بين جهالات المكذبين وبصائر العلماء: بعد أن فضح موقف الذين سعوا في آيات الله معاجزين ووصفهم بالعذاب والرجز؛ أتبع ذلك ببيان موقف أهل العلم الحقيقي والبصيرة النافذة، مؤكداً أن القرآن لا يجحده إلا جاهل معاند، بينما يراه أصحاب العلم الراسخ هو عين الحق ومصدر الهداية.
الارتباط التام بالتوحيد والرسالة: ربطت الآية بين الوحي المنزَّل {أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ} وبين الصراط المستقيم الموصل إلى {الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ}؛ فالعلم الصحيح يقود حتماً إلى الإذعان لعزة الله وحمده.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة لماذا ينكر أكثر الناس القرآن إذا كان هو الحق البين: قد يقول ملحد أو مشكك: إذا كان القرآن بهذه الدرجة من الوضوح والحق، فلماذا كذبت به قريش وعارضه كثير من الناس؟
المحاكمة العقلية ودفع الإشكال:
العبرة بحكم أهل العلم لا برأي العوام والمعاندين: إنكار الجاهل للحقائق العلمية أو الطبية لا ينفي صحتها؛ فالذي يزن الوحي هو العقل المتجرد وأهل العلم والبصائر، وهؤلاء يشهدون بصدق هذا الكتاب وإعجازه.
عوائق المعرفة ليست عقلية بل نفسية: الذين أنكروا القرآن لم ينكروه لخلل في براهينه، بل للكبر، وحب الرياسة، والتقليد الأعمى للآباء، والحرص على المصالح الدنيوية العاجلة.
تناسق هداية القرآن مع الفطرة والعقل: تعاليم القرآن في التوحيد والعدل والأخلاق تهدي إلى الصراط الأقوم، وكلما ازداد الإنسان علماً ازداد يقيناً بصدق هذا الكتاب الإلهي.