بيان فضل الله على داود عليه السلام: يروي الطبري في "جامع البيان" (ج 20، ص 370)جامع البيانالطبري٢٠/٣٧٠ وابن كثير (ج 6، ص 461)مصدر غير محدد٦/٤٦١ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة، أن الفضل الذي آتاه الله داود هو النبوة، والزبور، والعلم، والصوت الحسن العذب بالترتيل الذي لم يؤت أحد مثله، وتسخير الجبال الصم الشامخات لتسبح بتسبيحه، والطير صافات تجاوبه في ترانيمه، وإلانة الحديد الصلب بين أصابعه كالعجين والشمع بلا نار ولا مطرقة.
معنى قوله تعالى: (يا جبال أوبي معه): ينقل القرطبي (ج 14، ص 279)مصدر غير محدد١٤/٢٧٩ والبغوي (ج 6، ص 369)مصدر غير محدد٦/٣٦٩ عن ابن عباس، أن معنى {أَوِّبِي} سبحي، من التأويب وهو الرجوع إلى الشيء بعد الانصراف عنه؛ أي كلما رجع داود في التسبيح رجعت معه الجبال والصدى يجاوبه بالتسبيح بحول الله وقدرته؛ وقيل: سيرّي معه حيث سار.
إلانة الحديد: يقرر السعدي (ص 676)مصدر غير محدد٦٧٦ وابن عاشور (ج 22، ص 156)مصدر غير محدد٢٢/١٥٦ أن إلانة الحديد معجزة ظاهرة وفضل رباني، حيث جعل الله الحديد في يد داود طيعاً كالشمع أو الطين يعمله بيده من غير أن يحتاج إلى نفخ كير ولا صهر في النار؛ ليعمل منه الدروع السابغات للجهاد في سبيل الله.
وقرأ أبو جعفر وشيبة في غير المتواتر: {آوِبِي} بمد الهمزة وتخفيف الواو المكسورة اسم فاعل أو أمراً من آب يؤوب.
قرأ الجمهور: {وَالطَّيْرَ} بنصب الراء عطفاً على محل (جبال)؛ لأن المنادى المفرد مبني على الضم في محل نصب مفعول به لنداء مقدر، أو مفعول معه؛ أي يا جبال سبحي وسخّرنا الطير معه. وقرأ ابن أبي عبلة ويعقوب في رواية: {وَالطَّيْرُ} بالرفع عطفاً على لفظ (جبال).
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البنية اللغوية والمعجمية:
{فَضْلًا}: عطاءً جزيلاً ومنة ربانية خارجة عن المعتاد، من النبوة والملك والمعجزات.
{أَوِّبِي}: من آب يؤوب أوباً وتأويباً، وهو الترجيع والتكرار، والمراد رجعي التسبيح وكرريه معه كلما سبح.
{أَلَنَّا}: صيرناه ليناً مرناً سهلاً بعد أن كان صلباً قاسياً.
الإعراب والتركيب النحوي:
{وَلَقَدْ}: الواو استئنافية، اللام واقعة في جواب قسم مقدر، قد حرف تحقيق.
{آتَيْنَا}: فعل ماضٍ ونا فاعل.
{دَاوُودَ}: مفعول به أول منصوب بالفتحة ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة.
{مِنَّا}: جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من (فضلاً).
{فَضْلًا}: مفعول به ثانٍ منصوب بالفتحة.
{يَا جِبَالُ}: يا حرف نداء، جبال منادى نكرة مقصودة مبني على الضم في محل نصب، وجملة النداء في محل نصب مقول لقول مقدر؛ أي قلنا يا جبال.
{أَوِّبِي}: فعل أمر مبني على حذف النون، والياء فاعل.
{مَعَهُ}: ظرف مكان متعلق بـ (أوبي)، والهاء مضاف إليه.
{وَالطَّيْرَ}: منصوب إما مفعول معه، أو معطوف على محل (جبال).
{وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ}: الواو عاطفة، ألنا فعل ماضٍ ونا فاعل، له جار ومجرور متعلقان به، الحديد مفعول به منصوب بالفتحة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الانتقال من التقرير العام إلى النماذج التطبيقية الكبرى للشكر: بعد أن قرر في الآيات السابقة عموم ملكه للسماوات والأرض وإحاطة علمه بالذرات وقدرته على الخسف وإسقاط الكسف؛ انتقل هنا لضرب أروع الأمثلة الحية لتمكين العباد الصالحين في الأرض بالمعجزات والملك، وكيف قادهم ذلك التمكين إلى مزيد من الخضوع والعبادة والشكر؛ في مقابل النموذج الآخر (قوم سبأ) الذين أبطرتهم النعم فكفروا فأهلكوا.
الارتباط بآية تسخير السماء والأرض: لما ذكر قبلها {مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ}، أظهر هنا خضوع عناصر الأرض (الجبال والحديد) والجو (الطير والريح) لأوليائه وأنبيائه داود وسليمان بأمر الله الخالق القاهر.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة كيف تسبح الجمادات الصماء مع داود: قد يقول مادي أو منكر للمعجزات: كيف تعقل الجبال وتسّبح الطير بصوت مسموع مع داود؟
المحاكمة العقلية ودفع الإشكال:
كل كائنات الكون تسبح الله بحقيقة يعلمها خالقها: صرح القرآن بأن كل ذرة في الوجود تسبح بحمد ربها: {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ}؛ فالله خالق الجبال ومودع الخصائص فيها، قادر على أن يجعل لها إدراكاً وتجاوباً يسمعه نبيه كرامة له ومعجزة.
طواعية المادة لخالقها: إلانة الحديد دون نار وتسبيح الجبال معجزات خارقة للعادة أجراها الله على يد نبي صادق للدلالة على نبوته، والذي خلق المادة وقوانينها وقواها الجزيئية قادر على تعديل خواصها بكلمة (كن فيكون).
حنين الجذع وتسبيح الحصى الثابت في السنة الصحيحة: حنّ الجذع لرسول الله ﷺ حتى سُمع بكاؤه كصوت الصبي، وسبّح الحصى في كفه (صحيح البخاري، رقم 3584)صحيح البخاريالبخاريحديث رقم ٣٥٨٤؛ وهو نظير تسبيح الجبال مع داود؛ فالكون كله خاضع مسبح لمبدعه.
التنكير في (فضلاً): للتعظيم والتكثير؛ أي فضلاً عظيماً هائلاً لا يدرك كنهه.
الالتفات إلى أسلوب النداء (يا جبال): تشخيص للجماد وخطاب له كأنه كائن عاقل يسمع ويطيع؛ لإبراز كمال انقياد الكائنات لربها ومشاركتها لداود في محاريب الذكر.
تقديم الجار والمجرور (له) في (وألنا له الحديد): لبيان الخصوصية والكرامة الإلهية لداود عليه السلام.
اللطائف التدبرية والإشارية:
حين يمتلئ قلب العبد بتعظيم الله وتوحيده، تتناغم معه ذرات الكون في العبادة؛ فالطير والجبال تجاوب المسبح الصادق.
العمل الحرفي شرف عظيم؛ فداود عليه السلام وهو ملك نبي كان يأكل من عمل يده في صناعة الدروع.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي والتربوي:
الحث على كسب اليد والعمل الشريف؛ كما صح في الحديث: «مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ، وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُودَ عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ» (صحيح البخاري، رقم 2072)صحيح البخاريالبخاريحديث رقم ٢٠٧٢.
تربية النفس على التناغم مع الكون في تسبيح الله وتنزيهه في كل حركة وسكنة.
العمل والوجدان الإيماني:
ترتيل القرآن وحسن الصوت به تأثراً وخشوعاً؛ كما قال النبي ﷺ لأبي موسى الأشعري: «لَقَدْ أُوتِيتَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُودَ» (صحيح البخاري، رقم 5048)صحيح البخاريالبخاريحديث رقم ٥٠٤٨.
ترويض القلوب القاسية بذكر الله؛ فإذا كانت الجبال الصم تلين وتسبح والحديد يلين، فالأولى بالقلوب أن تخشع لذكر الله.