حكاية استهزاء المشركين بالبعث والنبوة: ينقل الطبري (ج 20، ص 366)مصدر غير محدد٢٠/٣٦٦ وابن كثير (ج 6، ص 459)مصدر غير محدد٦/٤٥٩ عن مجاهد وقتادة والسدي، أن كفار قريش لما سمعوا رسول الله ﷺ يدعوهم إلى التوحيد ويخبرهم أنهم يبعثون بعد موتهم وتفرق أجسادهم في التراب، تعجبوا من قوله غاية العجب، وصاروا يتناقلون حديثه على وجه الاستهزاء والسخرية والتعجيب، فيقول بعضهم لبعض ولمن يقدم عليهم من القبائل: ألا ندلكم على رجل غريب الشأن يزعم أمراً عجيباً لا يعقل؛ يخبركم أنكم إذا متم وبليت عظامكم وتفرقت أوصالكم في الأرض كل ممزق، فإنكم ستعادون أحياء مرة أخرى في خلق جديد!
معنى (مزقتم كل ممزق): يوضح القرطبي (ج 14، ص 275)مصدر غير محدد١٤/٢٧٥ وابن عاشور (ج 22، ص 150)مصدر غير محدد٢٢/١٥٠ أن التمزيق هو تقطيع الشيء وتفريقه وإتلافه؛ أي صرتم تراباً وعظاماً نخرة متناثرة في مهاب الرياح وجوف الأرض وأمعاء السباع والطير.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البنية اللغوية والمعجمية:
{نَدُلُّكُمْ}: من الدلالة، وهي الإرشاد إلى الشيء والتنبيه عليه.
{مُزِّقْتُمْ}: من مزق يمزق تمزيقاً، وهو التقطيع البالغ والتفريق للأجزاء بحيث يستحيل اجتماعها في نظر البشر.
{مُمَزَّقٍ}: مصدر ميمي بمعنى تمزيق، أو اسم مكان وزمان، أي كل تفريق وتشتيت ممكن.
{خَلْقٍ جَدِيدٍ}: إنشاء مستأنف وهيئة حياة جديدة.
الإعراب والتركيب النحوي:
{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا}: فعل وفاعل وجملة الصلة كفروا.
{هَلْ نَدُلُّكُمْ}: هل حرف استفهام يراد به التعجيب والتشويق الاستهزائي، ندلكم فعل مضارع مرفوع والكاف مفعول به والفاعل مستتر تقديره نحن.
{عَلَىٰ رَجُلٍ}: جار ومجرور متعلقان بـ (ندلكم).
{يُنَبِّئُكُمْ}: فعل مضارع ومفعوله، والفاعل مستتر تقديره هو، والجملة في محل جر نعت لـ (رجل).
{إِذَا}: ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه منصوب بجوابه أو بما بعده.
{مُزِّقْتُمْ}: فعل ماضٍ مبني للمجهول والتاء نائب فاعل، والجملة في محل جر بإضافة (إذا) إليها.
{كُلَّ مُمَزَّقٍ}: كل نائب مفعول مطلق منصوب بالفتحة وهو مضاف، ممزق مضاف إليه مجرور.
{إِنَّكُمْ}: حرف مشبه بالفعل والكاف اسمها.
{لَفِي خَلْقٍ}: اللام هي المزحلقة، في خلق جار ومجرور خبر إن.
{جَدِيدٍ}: نعت مجرور بالكسرة، وجملة (إنكم لفي خلق جديد) مفسرة للنبأ أو في محل نصب مقول للقول (ينبئكم).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تصوير مسلك الإنكار والتهكم عند الجاحدين: لما ذكر في الآية السابقة أن أهل العلم يرون ما أنزل إلى الرسول هو الحق؛ كشف هنا المقابل السخيف لهذا الموقف، وهو موقف الكفار الذين لا يملكون حجة عقلية ولا برهاناً علمياً، بل يلجأون إلى التهكم والسخرية والتنادي بالاستغراب لتنفير الناس من سماع الحق.
التنكير التحقيري في قولهم (على رجل): نكروا النبي ﷺ بقولهم {عَلَىٰ رَجُلٍ} كأنهم لا يعرفونه ولا يدرون من هو، مع أنه الصادق الأمين الذي نشأ بين ظهرانيهم وعرفوا شرفه وصدقه وأمانته، وهذا من أساليب التكبر والجحود المفرط.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة استحالة إعادة الأجساد بعد التمزق والفناء: يظن المنكرون أن الموت تمزيق نهائي للأجزاء لا يمكن معه الإحياء، وجواب هذا عقلاً وبرهاناً:
الذي خلق الأجساد أول مرة من العدم قادر على إعادتها بعد تمزقها: الإعادة في موازين العقول أهون وأيسر من الابتداء، كما قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ}.
ثبوت العلم والقدرة التامة للخالق: تفرق الأجزاء واستحالتها إلى تراب لا يخرجها عن علم الله المطلق الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة، فإذا نفخ في الصور اجتمعت الذرات بأمره كما تنتظم برادة الحديد بالمغناطيس.
مشاهدة الإحياء في الطبيعة المشهودة: إحياء الأرض الميتة الهامدة بعد نزول الماء وإنبات الزروع المتنوعة برهان حسي متكرر أمام أعينهم يدحض استغرابهم.
الاستفهام للتشويق والتهكم: {هَلْ نَدُلُّكُمْ}؛ أخرجوا الاستفهام مخرج المشفق الدال على أمر غريب يدعو للضحك والسخرية.
التعبير بـ (ينبئكم): النبأ هو الخبر العظيم ذو الشأن، واستعملوه تهكماً كأنه جاء بأعجوبة العجائب.
الإتيان بـ (كل ممزق): للمبالغة في تصوير التلاشي والاندثار؛ ليؤكدوا في زعمهم استحالة العودة.
اللطائف التدبرية والإشارية:
دأب أهل الباطل في كل زمان ومكان هو السخرية والاستهزاء بدعاة الحق وأفكارهم حين تعييهم الحجة ويفلسون من البرهان؛ فالمؤمن لا يزيده تهكمهم إلا ثباتاً ويقيناً.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي والتربوي:
تدريب الدعاة على الصبر على سخرية المبطلين وتهكمهم؛ فالرسل الكرام عانوا من هذا التنكيل النفسي وثبتوا حتى أتاهم نصر الله.
تفكيك أساليب الدعاية الإعلامية المضللة التي تعتمد التنكير والتشويه والتهويل بدلاً من مقارعة الفكرة بالفكرة.
العمل والوجدان الإيماني:
اليقين بالبعث والنشور، والاستعداد لذلك اليوم الذي تعود فيه الأجساد للحساب.
عدم الاكتراث بأوصاف المرجفين وأهل الضلال، والاعتزاز بالانتساب إلى شريعة النبي الصادق المصدوق ﷺ.