إعلان الملائكة البراءة المطلقة من عبادة المشركين: يروي الطبري في "جامع البيان" (ج 20، ص 425)جامع البيانالطبري٢٠/٤٢٥ وابن كثير (ج 6، ص 486)مصدر غير محدد٦/٤٨٦ عن قتادة ومجاهد وابن عباس، أن الملائكة لما وجه الله إليهم السؤال في ساحة الحشر: {أَهَٰؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ}؛ بادروا فوراً بتسبيح الله وتنزيهه عن الشريك والند: {سُبْحَانَكَ}، وأعلنوا ولايتهم التامة لله وحده: {أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِم}، مبيّنين أن المشركين وإن كانوا يزعمون في الظاهر أنهم يعبدون الملائكة والتماثيل؛ فإن حقيقة أمرهم أنهم كانوا يعبدون الشياطين والجن؛ لأن الشياطين هي التي زينت لهم عبادة الأوثان وأمرتهم بها فأطاعوها، ومن أطاع إبليس وجنده في معصية الله فقد عبدهم في الحقيقة؛ وأكثر هؤلاء المشركين كانوا مصدقين للجن مطيعين لأوامرهم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البنية اللغوية والمعجمية:
{سُبْحَانَكَ}: تنزيهاً لك وبراءة من كل عيب ونقص وشريك.
{وَلِيُّنَا}: مولانا وناصرنا ومعبودنا الذي نتولاه وننقطع إليه بالعبادة والمحبة.
{مِن دُونِهِم}: متعلقان بمحذوف حال؛ أي متولين لك منقطعين إليك من دون هؤلاء المشركين.
{بَلْ}: حرف إضراب وانتقال لبيان الحقيقة.
{كَانُوا}: فعل ماضٍ ناقص والواو اسمها.
{يَعْبُدُونَ}: فعل مضارع وفاعله، والجملة خبر كان.
{الْجِنَّ}: مفعول به منصوب بالفتحة.
{أَكْثَرُهُم}: مبتدأ مرفوع بالضمة، وهم مضاف إليه.
{بِهِم}: متعلقان بـ (مؤمنون).
{مُّؤْمِنُونَ}: خبر المبتدأ مرفوع بالواو، والجملة حالية أو مستأنفة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
سرعة التنزيه والاعتصام بالولاية الإلهية: لم تبدأ الملائكة جوابها بنفي العبادة، بل بدأت بـ {سُبْحَانَكَ}؛ لتقديم حق الله في التنزيه والتعظيم، ثم أثبتت الولاية الحصرية لله {أَنتَ وَلِيُّنَا}؛ لقطع أي توهم لتعلقهم بالمشركين؛ ثم بينت بحرف الإضراب {بَلْ} حقيقة الأمر الغائبة؛ وهي أن المشرك تابع للشيطان في كل شرك.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة كيف يُعد طاعة الشيطان عبادة له:
قد يقول قائل: المشرك كان ينحر للأصنام أو للملائكة ولم يكن يعتقد أنه يعبد الشيطان!
المحاكمة العقلية ودفع الإشكال:
حقيقة العبادة هي الطاعة والخضوع والانقياد: من أطاع مخلوقاً في تحليل الحرام أو تحريم الحلال أو صرف العبادة لغير الله فقد اتخذه رباً وعبده؛ كما فسر النبي ﷺ قوله تعالى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ} بأنهم أطاعوهم في تبديل الشرع (سنن الترمذي، رقم 3095)سنن الترمذيالترمذيحديث رقم ٣٠٩٥؛ فالشياطين هي التي أوحت للمشركين بعبادة الأوثان فأطاعوها، فصارت عبادتهم في الحقيقة للشيطان.
كشف الخديعة الإبليسية: الشيطان يوهم عابد القبر أو الصنم بأنه يتوسل بروح صالحة أو ملك، والحقيقة أنه يتعبد للشيطان الذي يتمثل له ويزين له الباطل.