لفت الأنظار إلى عظمة الكون وإحاطة القدرة الإلهية بهم: يروي الطبري (ج 20، ص 369)مصدر غير محدد٢٠/٣٦٩ وابن كثير (ج 6، ص 460)مصدر غير محدد٦/٤٦٠ عن قتادة ومجاهد، أن الله تعالى لما ذكر تهكمهم وإنكارهم للبعث وزعمهم كذب النبي ﷺ، وجه أنظارهم وعقولهم إلى الواقع المحسوس المشهود المحيط بهم: أفلم ينظروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من أرجاء السماء والأرض؟ فهم محاطون بملكه سبحانه أينما تولوا؛ السماء من فوقهم محيطة بهم كالسقف المحفوظ، والأرض من تحتهم ممسوكة بقدرته؛ ولو شاء الله لعاقبهم على كفرهم في الحال بأن يخسف بهم الأرض فتبتلعهم، أو يسقط عليهم قطعاً من السماء فتهلكهم كما فعل بقارون وقوم شعيب وأصحاب الأيكة، ولكن حلمه أخرهم لأجل مسمى؛ وإن في هذا المشهد العظيم لدلالة باهرة على البعث والقدرة لكل عبد رجاع إلى ربه، مفكر في آياته.
معنى (كسفاً من السماء): يوضح القرطبي (ج 14، ص 277)مصدر غير محدد١٤/٢٧٧ أن الكسف جمع كسفة، وهي القطعة والجانب من الشيء، أي قطعاً من السماء تنزل عليهم حجارة أو عذاباً صاعقاً.
ضبط القراءات:
قرأ الجمهور: {إِن نَّشَأْ نَخْسِفْ... أَوْ نُسْقِطْ} بنون العظمة في الأفعال الثلاثة مجزومة على الشرط وجوابه.
وقرأ حمزة والكسائي: {إِن يَشَأْ يَخْسِفْ... أَوْ يُسْقِطْ} بياء الغيبة في الأفعال الثلاثة، لعود الضمير على اسم الجلالة، وكلتاهما قراءتان سبعيتان متواتران.
قرأ حفص عن عاصم: {كِسَفًا} بفتح السين جمع كسفة كقطعة وقطع.
وقرأ الباقون (نافع، ابن كثير، أبو عمرو، ابن عامر، حمزة، الكسائي، شعبة عن عاصم): {كِسْفًا} بسكون السين مفرداً كقِطْعٍ أو اسم جنس للقطعة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البنية اللغوية والمعجمية:
{مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ}: الجهات المحيطة بهم من أمام ومن خلف، والمراد الإحاطة التامة من سائر الجوانب.
{نَخْسِفْ}: الخسف غؤور الشيء في الأرض والابتلاع، كما في قارون: {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ}.
{كِسَفًا}: جمع كسفة، وهي القطعة الساقطة من السقف أو السماء.
{مُّنِيبٍ}: اسم فاعل من أناب ينيب إنابة، وهو الرجاع إلى طاعة الله المقيم على توبته.
الإعراب والتركيب النحوي:
{أَفَلَمْ}: الهمزة للاستفهام الإنكاري التوبيخي، الفاء عاطفة على مقدر، لم حرف نفي وجزم وقلب.
{يَرَوْا}: فعل مضارع مجزوم بحذف النون، والواو فاعل.
{إِلَىٰ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ}: إلى حرف جر، ما اسم موصول مجرور، بين ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، أيديهم مضاف إليه مجرور بالكسرة المقدرة.
{وَمَا خَلْفَهُم}: عطف على (ما بين أيديهم).
{مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ}: جار ومجرور بيان للموصول، ومعطوف عليه.
{إِن نَّشَأْ}: إن حرف شرط جازم، نشأ فعل الشرط مجزوم بالسكون، والفاعل مستتر تقديره نحن.
{نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ}: جواب الشرط مجزوم بالسكون، والفاعل مستتر تقديره نحن، وبهم جار ومجرور متعلقان بـ (نخسف)، الأرض مفعول به منصوب.
{أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ}: معطوف على جواب الشرط مجزوم بالسكون، والفاعل مستتر، وعليهم متعلقان بـ (نسقط).
{كِسَفًا}: مفعول به لـ (نسقط) منصوب بالفتحة.
{مِّنَ السَّمَاءِ}: جار ومجرور نعت لـ (كسفاً).
{إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً}: إن حرف توكيد ونصب، في ذلك خبر إن مقدم، اللام المزحلقة، آية اسم إن مؤخر منصوب.
{لِّكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ}: جار ومجرور نعت لـ (آية)، عبد مضاف إليه، منيب نعت لـ (عبد) مجرور بالكسرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الانتقال من المحاكمة النظرية إلى التلويح بالقدرة القاهرة: بعد أن فنّد شبهاتهم في البعث وسخريتهم؛ ألجمهم هنا بمشهد الضعف البشري في هذا الكون الفسيح؛ فهم محاطون من فوقهم ومن تحتهم ومن أمامهم وخلفهم بعوالم السماء والأرض الخاضعة لإرادة الله، وهم فيها أضعف من ذرة هباء؛ فكيف يجترئ هذا المخلوق المحاصر بين السماء والأرض على الاستهزاء بخالقه والإنكار لقدرته؟!
حسن الختام بذكر (العبد المنيب): ختم الآية بوصف العبد بـ {مُّنِيبٍ}؛ للإشعار بأن آيات الآفاق وإن كانت معروضة لجميع الخلائق يراها المؤمن والكافر، إلا أنه لا ينتفع بها ولا يفهم مغزاها الإيماني العظيم إلا من كان قلبه حياً مقبلاً على الله بالتوبة والرجوع؛ أما الغافل المعاند فلا تزيده الآيات إلا عمى وبُعداً.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة لماذا لم يخسف الله بهم الأرض فعلاً مع استحقاقهم للعقوبة: قد يقول قائل: إذا كان الله قادراً على الخسف وإسقاط الكسف، فلم لم يفعل بهم ذلك حين استهزأوا؟
المحاكمة العقلية ودفع الإشكال:
سنة الإمهال لا الإهمال: أجرى الله سنته في الأمم بأن يؤخرهم إلى آجال معلومة تقتضيها حكمته، لتقوم عليهم الحجة البالغة ويستخرج ما في أصلابهم من ذرية مؤمنة؛ ولذلك قال النبي ﷺ لملك الجبال: «بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا» (صحيح البخاري، رقم 3231)صحيح البخاريالبخاريحديث رقم ٣٢٣١.
التخويف بالقدرة أعظم في باب المحاكمة العقلية: التنبيه على إمكان الخسف في كل لحظة يجعل الإنسان يعيش في هيبة الترقب، فيعود إليه عقله متدبراً في سلامته التي هي محض فضل من الله وإمهال.
حماية أمة النبي ﷺ من عذاب الاستئصال العام: من بركات بعثة النبي الرحمة ﷺ رفع عذاب الاستئصال الجماعي عن هذه الأمة إكراماً له: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ}.
الاستفهام الإنكاري التوبيخي المصدر بالفاء: {أَفَلَمْ يَرَوْا}؛ للتقريع على تعطيل حاسة البصر وموهبة العقل عن تدبر المحيط الكوني.
الإحاطة المكانية في (ما بين أيديهم وما خلفهم): كناية عن العجز البشري والانحصار الكامل داخل قبضة القدرة الإلهية؛ فلا مهرب ولا ملجأ من الله إلا إليه.
التقابل الهائل بين السماء والأرض: الخسف من أسفل، وإسقاط الكسف من أعلى؛ ليصور أن الهلاك يمكن أن يدهمهم من حيث يثبتون أو من حيث يستظلون.
اللطائف التدبرية والإشارية:
الإنسان يمشي على الأرض آمناً، وتظله السماء هادئة، وينسى أن ثبات الأرض وسكون السماء معجزة مستمرة بفضل الله: {إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا}؛ فالمنيب يشهد فضل الله في كل لحظة سلامة يعيشها.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي والتربوي:
إيقاظ الفطرة النائمة بالربط بين المشاهد الكونية العظمى والحقائق العقدية؛ فالكون كله كتاب مفتوح ينطق بآيات التوحيد والقدرة.
تربية النفس على صفة الإنابة؛ فالإنابة هي المفتاح الوحيد لاستلهام العبر وتحصيل البصيرة.
العمل والوجدان الإيماني:
الوجل والخضوع لله عند رؤية الآيات الكونية (الزلازل، الكسوف، الرعود، الصواعق)، وتجديد التوبة والاستغفار.
دوام التضرع بأن يجعلنا الله من عباده المنيبين المخبتين الذين ينتفعون بآياته ولا يعمون عنها.