المبالغة في النَّصَفة وتجريد الخصومة من الشخصنة: يروي الطبري في "جامع البيان" (ج 20، ص 403)جامع البيانالطبري٢٠/٤٠٣ وابن كثير (ج 6، ص 477)مصدر غير محدد٦/٤٧٧ عن قتادة ومجاهد، أن الله أمر رسوله ﷺ أن يتابع محاكمة المشركين بأعلى درجات التنازل الجدلي والتجرد؛ فيقول لهم: إن دعوة التوحيد التي أدعوكم إليها لا أبتغي بها منفعة شخصية ولا أجركم إلى مغرم، ولا يضركم ما أنا عليه لو كان باطلاً؛ فإنكم لا تحاسبون ولا تعاقبون على ما نسبتموه إلينا من الجرم والذنب، ونحن كذلك لا نسأل ولا نحاسب عما تعملونه أنتم؛ فكل نفس بما كسبت رهينة؛ فلماذا تعادوننا وتحاربوننا وتصدون عن سبيل الله؟!
لطيفة إسناد الإجرام إلى النفس والعمل إلى الخصم: ينقل القرطبي (ج 14، ص 302)مصدر غير محدد١٤/٣٠٢ والزمخشري في الكشاف والسعدي (ص 677)مصدر غير محدد٦٧٧ لفتة بلاغية بالغة الدقة: نسب النبي ﷺ الإجرام إلى نفسه بلفظ الفرض والجدل {عَمَّا أَجْرَمْنَا}، ونسب العمل المجرد إليهم {عَمَّا تَعْمَلُونَ} ولم يقل "عما أجرمتم"؛ تلطفاً في الخطاب، وهضماً للنفس، وتجنباً لاستفزازهم، مع أن الإجرام الحقيقي هو كفرهم وشركهم، والرسول معصوم بريء من كل جرم؛ وهذا غاية الأدب والإنصاف النبوي المعجز.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البنية اللغوية والمعجمية:
{تُسْأَلُونَ}: السؤال هنا سؤال المحاسبة والمؤاخذة الجنائية يوم القيامة.
{أَجْرَمْنَا}: الجرم هو ارتكاب الذنب العظيم والخروج عن الطاعة؛ وقيل على سبيل الفرض والتقدير الجدلي.
{تَعْمَلُونَ}: تفعلونه وتباشرونه من عقائد وأعمال.
الإعراب والتركيب النحوي:
{قُل}: فعل أمر فاعله مستتر تقديره أنت.
{لَّا تُسْأَلُونَ}: لا نافية، تسألون فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع بثبوت النون والواو نائب فاعل، والجملة مقول القول.
{عَمَّا}: عن حرف جر، ما اسم موصول أو مصدرية في محل جر متعلقان بـ (تسألون).
{أَجْرَمْنَا}: فعل ماضٍ ونا فاعل، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
{وَلَا نُسْأَلُ}: الواو عاطفة، لا نافية، نسأل فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع بالضمة ونائب الفاعل مستتر تقديره نحن.
{عَمَّا تَعْمَلُونَ}: جار ومجرور وصلة الموصول متعلقان بـ (نسأل).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الخطوة الثانية في سل السخائم وكسر التعنت: بعد أن قرر في الآية السابقة أن أحد الفريقين مهتد والآخر ضال؛ خطا هنا خطوة أعمق في تطمين الخصم وتجريد الحوار من أي دافع حظوظ نفس؛ فالمسألة ليست عداوة شخصية ولا ثأراً قبلياً، بل هي استقلال الذمة الفردية والمسؤولية الأخلاقية؛ فلا يتحمل طرف وزر طرف آخر.
براعة التلطف في التعبير (أجرمنا / تعملون): كما أسلفنا في التوجيه؛ عدل عن مقابلة الجرم بالجرم، فقال في حق نفسه المفترضة: {أَجْرَمْنَا}، وقال في حقهم: {تَعْمَلُونَ}؛ فلم يواجههم بوصف الإجرام ليفتح قلوبهم لسماع الحق دون نفور.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة هل تعني الآية إقرار المشركين على كفرهم وترك الإنكار عليهم:
قد يتوهم واهم أن قوله {وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ} يفيد المداهنة وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أو الرضا بكفرهم!
المحاكمة العقلية ودفع الإشكال:
السياق سياق مناظرة وإلزام بالحجة لا سياق مداهنة: الرسول ما زال يدعوهم ويقيم الحجة عليهم، والآية مسوقة لبيان أن هدايتهم نفعها لأنفسهم، وأن كفرهم وباله عليهم وحدهم؛ كما قال تعالى: {مَّنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا}.
تقرير قاعدة المسؤولية الفردية: الآية تؤصل للأصل القرآني العظيم: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ}؛ فلا يؤاخذ أحد بذنب غيره؛ وهذا قمة العدل الإلهي.
حسن الأدب وهضم النفس في المناظرة: إيثار لفظ (أجرمنا) في جانب المسلمين فرضاً وتواضعاً، وإيثار لفظ (تعملون) في جانب الكفار تهذيباً للفظ؛ وهو من بدائع الكناية واللطف النبوي.
بناء الأفعال للمجهول (لا تُسألون / ولا نُسأل): للإشعار بأن الحساب يوم القيامة يتولاه الخالق الديان الذي يحاسب كل فرد وحده.
اللطائف التدبرية والإشارية:
كل إنسان قادم على ربه فرداً، ومسؤول عن عمله وحده؛ فالعاقل من انشغل بإصلاح نفسه وعمله قبل أن يسأل بين يدي الله.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي والتربوي:
تعليم الدعاة تجنب الألفاظ المستفزة للخصوم أثناء النقاش؛ فالمقصود هداية القلوب لا الانتصار للنفس وإحراج المقابل.
استشعار الشفقة على الخلق؛ فالداعية يدعو الناس ناصحاً مشفقاً لا مستعلياً ولا شاتماً.
العمل والوجدان الإيماني:
محاسبة النفس ومراقبة الأعمال؛ فلن يحمل أحد عنا أوزارنا يوم القيامة.
التبرؤ التام من كل عمل يغضب الله ورسوله، والحرص على نقاء الصحيفة من الجرائم والآثام.