حقيقة الشفاعة المشروطة وعظمة هيبة الرب جل جلاله: يروي البخاري في صحيحه (رقم 4701، 4800) عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «إِذَا قَضَى اللَّهُ الأَمْرَ فِي السَّمَاءِ ضَرَبَتِ الْمَلَائِكَةُ بِأَجْنِحَتِهَا خُضْعَانًا لِقَوْلِهِ كَأَنَّهُ سِلْسِلَةٌ عَلَى صَفْوَانٍ، فَإِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قَالُوا: مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قَالُوا: الْحَقَّ، وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ، فَيَسْمَعُهَا مُسْتَرِقُو السَّمْعِ...». ويبين الطبري (ج 20، ص 398)مصدر غير محدد٢٠/٣٩٨ وابن كثير (ج 6، ص 475)مصدر غير محدد٦/٤٧٥ أن الآية تسقط الحصن الأخير الذي تعلق به المشركون، وهو ظنهم أن آلهتهم تشفع لهم عند الله كشفاعة وزراء الملوك عند ملوك الدنيا؛ فأبطل الله ذلك وقرر أن الشفاعة ملك لله وحده لا تنفع أحداً إلا بشرطين حاسمين:
إذن الله للشافع أن يشفع: {إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ}.
رضاه عن المشفوع له بالتوحيد: {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَىٰ}.
معنى (حتى إذا فُزّع عن قلوبهم): ينقل البغوي (ج 6، ص 376)مصدر غير محدد٦/٣٧٦ والقرطبي (ج 14، ص 298)مصدر غير محدد١٤/٢٩٨ أن التَّفْزِيع هو إزالة الفزع والخوف؛ أي فإذا كُشف الخوف والهلع عن قلوب الملائكة المقربين وعادت إليهم أرواحهم بعد سماع كلام الله وجلال صوته بالوحي، سأل بعضهم بعضاً: ماذا قال ربكم؟ فتقول الملائكة المقربون كجبريل: قال الحق، وهو العلي بذاته وقدره وقهره، الكبير الذي كل شيء دونه حقير وصغير.
ضبط القراءات:
قرأ حمزة والكسائي وعاصم وابن عامر: {إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ} بفتح الهمزة وكسر الذال مبنياً للفاعل (أَذِنَ الله له).
وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وأبو جعفر ويعقوب: {إِلَّا لِمَنْ أُذِنَ لَهُ} بضم الهمزة وكسر الذال مبنياً للمفعول (أُذِنَ له في الشفاعة).
قرأ الجمهور: {فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ} بضم الفاء وتشديد الزاي المكسورة مبنياً للمجهول؛ أي أزيل الفزع عن قلوب الملائكة. وقرأ الحسن وقتادة: {فَزَّعَ} بفتح الفاء والزاي؛ أي فرّج الله الفزع عن قلوبهم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البنية اللغوية والمعجمية:
{الشَّفَاعَةُ}: الشفع ضد الوتر، وهو ضم الشافع صوته ووسيلته إلى المشفوع له إعانة له وتحصيلاً للخير.
{فُزِّعَ}: التضعيف هنا للسلب والإزالة؛ مثل: قَشَّرَ العود إذا أزال قشرته، وفَزَّعَ عن قلبه إذا كشف عنه الفزع وأزاله.
{الْعَلِيُّ}: ذو العلو المطلق في الذات والصفات والقدر والقهر، فكل الكائنات مقهورة تحت عظمته.
{الْكَبِيرُ}: العظيم الجليل الذي لا شيء أكبر منه، وكل ما سواه صغير متضائل أمام جلاله.
الإعراب والتركيب النحوي:
{وَلَا تَنفَعُ}: الواو عاطفة، لا نافية، تنفع فعل مضارع مرفوع بالضمة.
{الشَّفَاعَةُ}: فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة.
{عِندَهُ}: ظرف مكان متعلق بـ (تنفع) أو بمحذوف حال من الشفاعة، والهاء مضاف إليه.
{إِلَّا}: أداة حصر واستثناء.
{لِمَنْ}: اللام حرف جر، من اسم موصول مجرور باللام متعلقان بـ (تنفع).
{أَذِنَ لَهُ}: فعل ماضٍ مبني للمجهول أو للمعلوم والفاعل مستتر أو نائب الفاعل، وله متعلقان به، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
{حَتَّىٰ}: حرف غاية وابتداء.
{إِذَا}: ظرف لما يستقبل من الزمان متضمن معنى الشرط.
{فُزِّعَ}: فعل ماضٍ مبني للمجهول، ونائب الفاعل هو الجار والمجرور (عن قلوبهم) على مذهب الكوفيين أو ضمير المصدر (أي فُزّع التَّفزيعُ).
{عَن قُلُوبِهِمْ}: جار ومجرور ومضاف إليه متعلقان بـ (فزّع).
{قَالُوا}: فعل ماضٍ وفاعله، وجملة قالوا جواب شرط إذا لا محل لها.
{مَاذَا}: ما اسم استفهام مبتدأ، وذا اسم موصول خبره؛ أو ماذا كلها اسم استفهام مفعول به مقدم لـ (قال).
{قَالَ رَبُّكُمْ}: فعل وفاعل ومضاف إليه، والجملة صلة (ذا) أو مقول القول.
{قَالُوا}: فعل وفاعل.
{الْحَقَّ}: مفعول به لفعل محذوف تقديره (قال الحقَّ)، أو خبر لمبتدأ محذوف تقديره (قوله الحقُّ).
{وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ}: الواو حالية، هو مبتدأ، العلي خبر أول، الكبير خبر ثانٍ مرفوعان بالضمة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إسقاط الشبهة الشركية الرابعة وقطع الرجاء بغير الله: نسفت الآية حبل النجاة المتوهم عند المشركين، وهو قولهم: أصنامنا وأولياؤنا شفعاؤنا عند الله؛ فبينت أن الشفاعة لا يملكها أحد استقلالاً، بل هي ملك خالص لله، ولا يجرؤ أحد من المقربين أن يتقدم بالشفاعة إلا بعد أن يؤذن له باللفظ والرضا.
التصوير المهيب لجلال الألوهية وخضوع الملائكة المقربين: لبيان سخف عبادة المشركين للملائكة أو ظنهم أن الملائكة تفرض شفاعتها على الله، صور المشهد العلوي في السماوات: فإذا كان الملائكة الكرام -وهم أعظم المخلوقات قدراً وأقربهم إلى العرش- يصعقون ويخرون سُجداً من هيبة كلام الله وجلاله، وترتعد فرائصهم رعباً حتى إذا زال الفزع عن قلوبهم سألوا بخضوع وذلة: {مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ ۖ قَالُوا الْحَقَّ}؛ فإذا كان هذا حال الملائكة الأطهار المقربين في خوفهم ورجفهم بين يدي الله، فكيف يُعبد حجر أو صنم أو بشر ميت ترجى شفاعته من دون إذن العلي الكبير؟!
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة قياس شفاعة الآخرة على شفاعة الدنيا (مغالطة القياس الفاسد):
يقيس المشركون شفاعة الآخرة على شفاعة الدنيا عند الملوك والرؤساء؛ حيث يشفع الوزير عند الملك دون إذنه، بل قد يكره الملك على قبول الشفاعة لحاجته إلى الوزير أو مداراة له.
المحاكمة العقلية ودفع الإشكال:
الفارق المطلق بين الخالق والمخلوق: ملوك الدنيا يقبلون الشفاعة لحاجتهم إلى الشفيع وخوفهم من انصرافه، أو لجهلهم بحال المستشفع؛ أما الله الغني العلي الكبير فلا حاجة له إلى أحد، وعلمه محيط بكل ذرة؛ فلا يشفع عنده أحد إلا بإذنه تكريماً للشافع ورحمة بالمشفوع له.
الشفاعة ملك لله لا للشافع: كما قال تعالى: {قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا}؛ فالشفاعة دعاء لا يستجاب إلا لمن رضي الله قوله وعمله؛ وبذلك بطل قياس المشركين وانهار الشرك بالكلية.
حرف الغاية (حتى): للانتقال إلى مشهد رهيب يصف هيبة الملائكة وجلال الربوبية.
استعمال صيغة السلب (فُزِّع): تصوير نفسي بديع لحالة الانفراج بعد الذهول والصعق من هيبة سماع الوحي الإلهي.
التذييل الاسمي الجليل (وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ): حصر العلو والكبرياء لله وحده؛ لبيان ضآلة كل مخلوق أمام عظمته وقدرته.
اللطائف التدبرية والإشارية:
إذا كانت قلوب الملائكة تذوب فزعاً وخشوعاً عند سماع أمر الله وكلامه، فما بال قلوب بني آدم تقرأ القرآن وتسمع آيات الله فلا تخشع ولا تدمع؟!
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي والتربوي:
تصحيح مفهوم الشفاعة في أذهان الناس؛ ببيان أنها فضل إلهي محض يُنال بتوحيد الله وإخلاص العبادة له، لا باتخاذ الأنداد والقبور وطلب الحوائج من الموتى.
تعظيم كلام الله واستشعار هيبته؛ فالقرآن كلام رب العالمين الذي تخشع له السماوات والأملاك.
العمل والوجدان الإيماني:
التوسل إلى الله بالأعمال الصالحة والتوحيد الخالص لنيل شفاعة النبي ﷺ يوم القيامة؛ كما قال ﷺ لأبي هريرة: «أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ خَالِصًا مِنْ قَلْبِهِ» (صحيح البخاري، رقم 99)صحيح البخاريالبخاريحديث رقم ٩٩.
امتلاء القلب بتعظيم الله وإجلاله باسميه {الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ}.