بيان مصير المعاندين المحاربين لكتاب الله: يروي الطبري (ج 20، ص 364)مصدر غير محدد٢٠/٣٦٤ وابن كثير (ج 6، ص 458)مصدر غير محدد٦/٤٥٨ عن مجاهد وقتادة وابن زيد، أن الآية تبين الفريق المقابل؛ وهم الذين بذلوا جهدهم وسعوا في إبطال آيات الله، والصد عن سبيله، وتكذيب رسله، ظانين أنهم يعجزون الله أو يفوتونه ويهربون من عقابه؛ فبين سبحانه أن جزاءهم عذاب شديد هو شر العذاب وأفظعه، وهو الرجز الأليم.
معنى (معاجزين) و(رجز أليم): يوضح القرطبي (ج 14، ص 273)مصدر غير محدد١٤/٢٧٣ أن (المعاجز) هو الذي يحاول إعجاز غيره والسبق عليه؛ فالمشركون ظنوا بجهلهم أنهم يغالبون أمر الله أو يفلتون من قبضة البعث، والرجز هو أشد العذاب وأقساه كعذاب الطاعون ونكال الجحيم.
ضبط القراءات:
قرأ ابن كثير وأبو عمرو: {مُعَجِّزِينَ} بغير ألف مع تشديد الجيم وكسرها؛ من التثبيط والتوهين، أي يعجزون من اتبع النبي ويثبطونهم عن الإيمان.
وقرأ نافع وعاصم وحمزة والكسائي وابن عامر: {مُعَاجِزِينَ} بألف وتخفيف الجيم مكسورة؛ من المغالبة والمسابقة وظن الإعجاز والفوت.
قرأ ابن كثير وحفص: {عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ} برفع (أليمٌ) نعتاً لـ (عذابٌ).
وقرأ الباقون (نافع، أبو عمرو، ابن عامر، حمزة، الكسائي، شعبة عن عاصم): {عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٍ} بجر (أليمٍ) نعتاً لـ (رجزٍ). وهما قراءتان متواتران؛ فعلى الرفع العذاب نفسه أليم، وعلى الجر الرجز الذي ينزل بهم أليم، فيجتمع شدة العذاب في ذاته وفي منبعه.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البنية اللغوية والمعجمية:
{سَعَوْا}: السعي هو المشي السريع والجهد الحثيث والاهتمام البالغ في تحصيل الغاية.
{مُعَاجِزِينَ}: اسم فاعل من عاجز يعاجز، إذا غلب وطلب الإعجاز وتوهم السبق.
{وَالَّذِينَ}: الواو عاطفة أو استئنافية، الذين اسم موصول مبني في محل رفع مبتدأ.
{سَعَوْا فِي آيَاتِنَا}: فعل ماضٍ والواو فاعل، وفي آياتنا جار ومجرور ومضاف إليه متعلقان بـ (سعوا) لتضمينه معنى الطعن والإبطال، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
{مُعَاجِزِينَ}: حال منصوبة بالياء من واو (سعوا)، أي سعوا مقدرين أنهم يعجزوننا.
{أُولَٰئِكَ}: اسم إشارة مبتدأ ثانٍ.
{لَهُمْ}: جار ومجرور خبر مقدم للمبتدأ الثالث (عذاب).
{مِّن رِّجْزٍ}: جار ومجرور في محل رفع نعت لـ (عذاب).
{أَلِيمٌ}: نعت ثانٍ لـ (عذاب) مرفوع بالضمة (على قراءة الرفع)، أو نعت لـ (رجز) مجرور بالكسرة (على قراءة الجر).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المقابلة النظمية الفاصلة بين مآل الفريقين: بعد أن ذكر جزاء المؤمنين في الآية السابقة: {أُولَٰئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ}؛ قابلهم هنا بجزاء المجرمين المعاندين: {أُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِّن رِّجْزٍ أَلِيمٌ}؛ ليتضح الفارق بين نعيم الجنة المحفوف بالكرامة وعذاب النار المشوب بالرجز والإهانة.
التصوير الدقيق لنشاط الكفر المحارب: لم يقل (والذين كفروا) بل قال: {سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ}؛ ليدل على أنهم لم يقتصروا على الكفر الذاتي، بل بذلوا وسعهم وطاقتهم في تشويه الدين ومحاربة الوحي وتثبيط الناس، فكان عقابهم من جنس مكرهم وسعيهم الباطل.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة وهم الإفلات من قبضة العدالة الإلهية: يظن الطغاة وأئمة التضليل في كثير من الأحيان أن قوتهم ونفوذهم وتخطيطهم الإعلامي والمادي يمكنهم من إعجاز سنن الله وقهر أوليائه؛ فكشف القرآن سخف هذا التقدير؛ فالمخلوق الضعيف لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، ومحاولته إعجاز الخالق محكومة بالخيبة المطلقة والنكال الدائم.