بيان نعمة الأمن والاتصال الحضاري بين اليمن والشام: يروي الطبري في "جامع البيان" (ج 20، ص 387)جامع البيانالطبري٢٠/٣٨٧ وابن كثير (ج 6، ص 470)مصدر غير محدد٦/٤٧٠ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي، أن الله تعالى يعدد نعمة أخرى عظيمة كان يتمتع بها أهل سبأ قبل هلاكهم، وهي نعمة الأمن في الأسفار وتيسير التجارة العالمية؛ فقد جعل الله بينهم وبين قرى الشام وفلسطين التي بارك فيها بالخصب والأنبياء والمقدسات، قرى متصلة متقاربة متواصلة البنيان (قرى ظاهرة يرى بعضها بعضاً لعمارها وقربها)، فكان المسافر يخرج من سبأ في اليمن متجهاً إلى الشام لا يحتاج إلى حمل زاد ولا ماء؛ لأنه ينتقل من قرية إلى قرية يبيت في هذه ويتغذى في تلك، وفي غاية الأمان من قطاع الطرق والسباع والخوف؛ وقدّر الله المسافات بينها تقديراً متوازناً مريحاً للمسافرين؛ وقيل لهم بلسان الإنعام والتمكين: سيروا في أي وقت شئتم، ليلاً أو نهاراً، وأنتم آمنون لا تخافون عدواً ولا جوعاً ولا عطشاً.
معنى (قرى ظاهرة): ينقل القرطبي (ج 14، ص 293)مصدر غير محدد١٤/٢٩٣ وابن عاشور (ج 22، ص 168)مصدر غير محدد٢٢/١٦٨ أن القرى الظاهرة هي القرى المتلاصقة المتقاربة المشهورة على قوارع الطرق، يرى المسافر القرية الثانية وهو في الأولى، فلا يضل ولا يستوحش في مفازة ولا يخاف انقطاع الطريق.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البنية اللغوية والمعجمية:
{الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا}: قرى الشام وبيت المقدس، بارك الله فيها بالثمار والخصب والأنبياء والبركات.
{قُرًى ظَاهِرَةً}: قرى مرتفعة مشهورة متواصلة يظهر بعضها لبعض، على طريق التجارة الممتد من جنوب الجزيرة إلى شمالها.
{قَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ}: جعلنا مراحل السير بينها مقدرة بحساب متقن مريح، قيلولة في قرية ومبيت في قرية، فلا مشقة على المسافر.
{آمِنِينَ}: سالمين من الخوف والنهب والقتل ووعثاء السفر.
الإعراب والتركيب النحوي:
{وَجَعَلْنَا}: الواو عاطفة، جعلنا فعل ماضٍ ونا فاعل.
{بَيْنَهُمْ}: ظرف مكان متعلق بمحذوف مفعول به ثانٍ لـ (جعلنا)، والهاء مضاف إليه.
{وَبَيْنَ}: عطف على بين الأولى.
{الْقُرَى}: مضاف إليه مجرور بالكسرة المقدرة.
{الَّتِي}: اسم موصول مبني في محل جر نعت لـ (القرى).
{بَارَكْنَا فِيهَا}: فعل ماضٍ ونا فاعل، والجار والمجرور متعلقان به، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
{قُرًى}: مفعول به أول لـ (جعلنا) منصوب بالفتحة المقدرة.
{ظَاهِرَةً}: نعت لـ (قرى) منصوب بالفتحة الظاهرة.
{وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ}: الواو عاطفة، قدرنا فعل وفاعل، وفيها متعلقان به، السير مفعول به منصوب.
{سِيرُوا}: فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، والجملة مقول قول مقدر؛ أي قلنا لهم سيروا.
{فِيهَا}: متعلقان بـ (سيروا).
{لَيَالِيَ وَأَيَّامًا}: ليالي ظرف زمان منصوب بالفتحة، وأياماً معطوف عليه منصوب.
{آمِنِينَ}: حال منصوبة بالياء من واو (سيروا).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
استكمال منظومة النعم الحيوية (الأمن الغذائي والأمن القومي التجاري): بعد أن ذكر النعمة الأولى وهي نعمة الزراعة والخصوبة الذاتية والبلدة الطيبة {جَنَّتَانِ عَن يَمِينٍ وَشِمَالٍ}، ثنى هنا بذكر النعمة المكملة لها، وهي انفتاح شرايين التجارة العالمية والاتصال الحضاري الآمن بين اليمن والشام؛ فالمجتمع المتكامل يحتاج إلى استقرار داخلي ورخاء تجاري خارجي يحميه الأمن التام.
التمهيد لكشف الحماقة البشرية في الآية التالية: هذا الوصف الدقيق لراحة الأسفار والقرى المتقاربة جاء تمهيداً لإبراز شذوذ تصرفهم في الآية اللاحقة حين بطروا هذه الراحة وطلبوا مباعدة الأسفار والمفازات المهلكة!
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة كيف تكون كثرة الأسفار وتعبها نعمة:
قد يقول قائل: السفر قطعة من العذاب، فكيف جعله الله نعمة يمتن بها؟
المحاكمة العقلية ودفع الإشكال:
تيسير السفر وتذليل مشاقه هو محض النعمة: السفر لطلب الرزق والتجارة من مقومات الحياة البشرية؛ فلما يسره الله وجعل له مراحل مقدرة وقرى عامرة تنفي الجوع والعطش والخوف، تحول السفر من قطعة عذاب إلى رحلة آمنة ماتعة ميسورة التكاليف.
نعمة الأمن المطلق: قوله {آمِنِينَ} هو جوهر النعمة؛ فالإنسان في أسفاره أكثر ما يخشى قطاع الطرق والوحوش والضياع؛ فإذا أمن على نفسه وماله في الليل والنهار بلغت النعمة كمالها؛ والأمن هو صمام أمان الحضارات وازدهارها.
التنكير في (قرى ظاهرة): للتعظيم والتكثير؛ أي قرى كثيرة مشهورة عامرة تفيض بالحياة.
التعميم الزماني في (ليالي وأياماً): لاستيعاب جميع الأوقات؛ لبيان أن الأمن لم يكن مقصوراً على وضح النهار، بل كان مستقراً في غسق الدجى ومجاهل الليالي؛ وهي الغاية القصوى في استتباب الأمن الداخلي والدولي.
صيغة الحال (آمنين): قيد بديع يبين أن الغاية العظمى من العمران وشبكات الطرق هي توفير الأمن والسكينة للسالكين.
اللطائف التدبرية والإشارية:
نعمة الأمن والاستقرار قرينة نعمة الرزق؛ كما قال تعالى في سورة قريش: {الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ}؛ فإذا فقدا أو كفرا ضاعت الحضارات.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي والتربوي:
إدراك أهمية شبكات المواصلات والأمن العام في بناء قوة الأمة ورخائها الاقتصادي؛ فالبنية التحتية الآمنة ركيزة حضارية امتن الله بها على عباده.
التنبيه على خطورة الملل من العافية؛ فالإنسان قد يمل الراحة والسكينة ويطلب المغامرة والمشقة جهلاً وبطراً.
العمل والوجدان الإيماني:
شكر الله الدائم على نعمة الأمن في الأوطان والسلامة في الأبدان وتيسير الأسفار والمواصلات.