تحقيق ظن إبليس في كفر بني آدم وأهل سبأ: يروي الطبري في "جامع البيان" (ج 20، ص 392)جامع البيانالطبري٢٠/٣٩٢ وابن كثير (ج 6، ص 472)مصدر غير محدد٦/٤٧٢ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والحسن، أن إبليس لما أُهبط إلى الأرض قال ظناً وتخميناً: {وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ}، وقال: {وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ}؛ فلما بعث الله الرسل إلى أهل سبأ وسائر الأمم وجحدوا النعم وكفروا بالبعث، صدق عليهم إبليس ظنه؛ أي تبين أن ظنه الذي ظنه قد وقع وتحقق فعلاً، فاتبعوه في الكفر والغواية والبطر، إلا فئة قليلة من المؤمنين الذين ثبتوا على التوحيد والشكر.
ضبط القراءات:
قرأ الجمهور (نافع، ابن كثير، أبو عمرو، ابن عامر، الكسائي، شعبة عن عاصم): {وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ} بتشديد الدال (صَدَّقَ) فعلاً متعدياً، وإبليسُ فاعل مرفوع، وظنَّهُ مفعول به منصوب؛ أي حقق إبليس ظنه فيهم بإغوائهم.
وقرأ حمزة وحفص عن عاصم: {وَلَقَدْ صَدَقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ} بتخفيف الدال (صَدَقَ)، وظنه منصوب على نزع الخافض (أي صدق في ظنه)، أو مفعول به لتضمين صدق معنى أصاب.
وقرأ زيد بن علي وعاصم الجحدري: {وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسَ ظَنُّهُ} برفع (ظنُّه) فاعلاً ونصب (إبليسَ) مفعولاً به؛ أي صدق ظنُّ إبليس فيه إبليسَ نفسه.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البنية اللغوية والمعجمية:
{صَدَّقَ}: حقق وأثبت بالفعل ما كان يظنه تخميناً ورجاءً.
{ظَنَّهُ}: توقعه وتخمينه السابق حين زعم أنه سيغويهم ويسلب شكرهم.
{فَاتَّبَعُوهُ}: ساروا خلف وسوسته وأطاعوه في الكفر والمعصية.
الإعراب والتركيب النحوي:
{وَلَقَدْ}: الواو استئنافية، اللام واقعة في جواب قسم مقدر، قد حرف تحقيق.
{ظَنَّهُ}: مفعول به منصوب بالفتحة، والهاء مضاف إليه.
{فَاتَّبَعُوهُ}: الفاء عاطفة تفيد الترتيب والتعقيب، اتبعوا فعل ماضٍ والواو فاعل والهاء مفعول به.
{إِلَّا}: أداة استثناء.
{فَرِيقًا}: مستثنى منصوب بالفتحة الظاهرة من واو الجماعة في (فاتبعوه).
{مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ}: جار ومجرور نعت لـ (فريقاً).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
كشف الخيبة الإنسانية بالانقياد للعدو الأزلي: بعد أن بين ما جرى لأهل سبأ من الكفران والخراب؛ كشف هنا المأساة الحقيقية التي تكمن خلف هذا السقوط، وهي وقوعهم في فخ الشيطان؛ فالشيطان لم يكن يملك يقيناً ولا كتاباً ولا سلطاناً بأنهم سيتبعونه، بل كان مجرد ظن وتمنٍ منه، فكانت الفضيحة الكبرى للبشر أنهم حققوا ظن عدوهم وسارعوا إلى طاعته في هلاك أنفسهم!
الاستثناء المشرق (إلا فريقاً من المؤمنين): إبقاء لباب الأمل والاعتصام بالحق؛ فمهما عمت الغواية وكثر الفساد، فإن الله يحفظ ثلة مؤمنة تعصمها هداية التوحيد من السقوط في شباك إبليس.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة هل كان إبليس يعلم الغيب حين قال (ولا تجد أكثرهم شاكرين):
قد يسأل متسائل: كيف أصاب إبليس في قوله وتوقعه، أكان يعلم الغيب؟
المحاكمة العقلية ودفع الإشكال:
نفي علم الغيب عن إبليس نصاً وقرآناً: الآية صريحة في وصف ما قاله بأنه {ظَنَّهُ}، والظن نقيض اليقين والعلم؛ فإبليس لا يعلم من الغيب ذرة.
استنتاج إبليس قائم على فهم الطبيعة البشرية الضعيفة: لما رأى إبليس مادة خلق آدم من طين أجوف تتجاذبه الشهوات والغرائز والغفلة، وتفرس في ثقل التكاليف وضعف العزائم أمام الشهوة والمال والخلود، ظن أن الإغواء سيسري فيهم بسهولة إذا زُينت لهم الدنيا؛ فكان ظنه حدساً نفسياً لا علماً غيبياً.
العتب القرآني على بني آدم: التوبيخ موجه للإنسان الذي مكن عدوه من نفسه حتى صدق ظنه التخميني، بينما كان الواجب أن يكذب ظنه بالاعتصام بربه وشكره الدائم.
القسم المؤكد (ولقد صدّق): لتأكيد وقوع هذا التحول الخطير وتقريره في واقع البشرية.
التنكير في (فريقاً): للتصغير والتقليل؛ للدلالة على قلة الثابتين على الإيمان في مقابل الكثرة الغالبة التابعة لخطوات الشيطان، وهو مطابق لقوله السابق: {وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ}.
الإسناد الدقيق (صدّق إبليس ظنه): يبرز أن الحدث كان إنجازاً لإبليس على حساب خسران بني آدم وغفلتهم.
اللطائف التدبرية والإشارية:
يا حسرة على بني آدم! إبليس يظن فيهم السوء والكفران فيثبتون له ظنه باتباعهم لشهواتهم؛ فالمؤمن الصادق يجعل غايته تكذيب ظن إبليس بالإخبات والإخلاص والشكر.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي والتربوي:
إيقاظ الحذر من حبائل الشيطان ومكائده؛ فالعداوة أزلية ومستمرة إلى قيام الساعة: {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا}.
العناية بالصف المؤمن وتربيته ليكون من الفريق الناجي المعصوم من طاعة إبليس.
العمل والوجدان الإيماني:
الاستعاذة بالله الدائمة من نزغات الشيطان ووساوسه في العقيدة والسلوك.