تسخير الريح والنحاس المذاب والجن لسليمان عليه السلام: يروي الطبري (ج 20، ص 373)مصدر غير محدد٢٠/٣٧٣ وابن كثير (ج 6، ص 462)مصدر غير محدد٦/٤٦٢ عن ابن عباس والحسن وقتادة، أن الله تعالى لما ذكر ما أنعم به على الوالد داود، ثنى بما تفضل به على الابن سليمان عليهما السلام، فأعطاه ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده:
{الرِّيحَ}: سخر له الريح العاصفة والرخاء تجري بأمره، فتقطع مسيرة شهر في الصباح الباكر إلى الزوال (غدوها شهر)، وتقطع مسيرة شهر من الزوال إلى غروب الشمس (رواحها شهر)؛ فكان يقطع في اليوم الواحد مسيرة شهرين للإشراف على مملكته والجهاد في سبيل الله.
{عَيْنَ الْقِطْرِ}: القطر هو النحاس، ففجر الله له نبعاً من النحاس المذاب يتدفق من الأرض كتدفق الماء، في أرض اليمن، فصنعوا منه الأواني والآلات والأسوار.
{وَمِنَ الْجِنِّ مَن يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ}: سخر له طوائف الجن والشياطين يبنون له ويصنعون العجائب، وجعلهم مقهورين تحت أمره بسلطان إلهي، ومن مال منهم وتولى وعصى أمر سليمان سلط الله عليه ملكاً من ملائكة العذاب يذيقه نكال عذاب السعير الحارق في الدنيا قبل الآخرة.
ضبط القراءات:
قرأ عاصم وحمزة والكسائي: {وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ} بنصب الحاء في (الريحَ) مفعولاً به لفعل محذوف تقديره وسخرنا لسليمان الريح، وهو معطوف على (الحديد) في الآية السابقة أو على إضمار فعل التسخير.
وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر وأبو جعفر ويعقوب: {وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحُ} برفع الحاء مبتدأ مؤخر، وخبره المقدم الجار والمجرور (ولسليمان).
قرأ الجمهور: {نُذِقْهُ} بنون العظمة، وقرأ يعقوب: {يُذِقْهُ} بياء الغيبة لعود الضمير على اسم الجلالة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البنية اللغوية والمعجمية:
{غُدُوُّهَا}: السير في أول النهار من الفجر إلى الزوال.
{رَوَاحُهَا}: السير في آخر النهار من الزوال إلى غروب الشمس.
{أَسَلْنَا}: جعلناه يسيل سائلاً متدفقاً كما يسيل الماء في العيون.
{عَيْنَ الْقِطْرِ}: نبع النحاس المذاب.
{يَزِغْ}: يمل وينحرف ويخرج عن الطاعة والأمر.
الإعراب والتركيب النحوي:
{وَلِسُلَيْمَانَ}: الواو عاطفة، لـ حرف جر، سليمان مجرور بالفتحة لمنعه من الصرف، والجار والمجرور متعلقان بفعل محذوف (سخرنا) على قراءة النصب، أو خبر مقدم على قراءة الرفع.
{الرِّيحَ}: مفعول به منصوب (على قراءة النصب)، أو مبتدأ مؤخر مرفوع (على قراءة الرفع).
{غُدُوُّهَا}: مبتدأ مرفوع، والهاء مضاف إليه.
{شَهْرٌ}: خبر المبتدأ مرفوع، والجملة الاسمية حالية أو مستأنفة لبيان سرعة مسيرها.
{وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ}: عطف على الجملة قبلها.
{وَأَسَلْنَا}: الواو عاطفة، أسلنا فعل ماضٍ ونا فاعل.
{لَهُ}: متعلقان بـ (أسلنا).
{عَيْنَ الْقِطْرِ}: مفعول به منصوب، والقطر مضاف إليه مجرور بالكسرة.
{وَمِنَ الْجِنِّ}: الواو عاطفة، من الجن جار ومجرور خبر مقدم.
{مَن}: اسم موصول مبني في محل رفع مبتدأ مؤخر، أو في محل نصب معطوف على الريح؛ أي وسخرنا له من الجن.
{يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ}: فعل مضارع وفاعله، والظرف مضاف إلى يديه، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
{بِإِذْنِ رَبِّهِ}: جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال، أي مأذوناً له من الله.
{وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا}: الواو استئنافية، من اسم شرط جازم مبتدأ، يزغ فعل الشرط مجزوم بالسكون والفاعل مستتر، وعن أمرنا متعلقان به.
{مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ}: جار ومجرور في محل نصب مفعول به ثانٍ، والسعير مضاف إليه، وجملتا الشرط والجواب خبر للمبتدأ (من).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
كمال النعمة بين الآباء والأبناء: سياق متصل في تبيان الفضل الإلهي لبيت داود؛ أوتي داود إلانة الحديد البارد، وأوتي سليمان إسالة النحاس المذاب الحار؛ سخرت لداود الجبال الراسيات، وسخرت لسليمان الريح السريعة الجاريات؛ وتوج هذا كله بتسخير الجن والعمال المهرة لإقامة صروح العمران والجهاد.
التأكيد على مبدأ السيطرة والردع الحازم في إدارة الملك: لما كانت الجن ذات طبيعة متمردة عاتية، بين القرآن أن خضوعهم لسليمان لم يكن بسحر ولا تحضير شيطاني، بل بقهر إلهي حازم: {بِإِذْنِ رَبِّهِ ۖ وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ}؛ ليعلم الجميع أن السلطان المطلق هو لله وحده.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة نسبة تسخير الجن إلى السحر والشعوذة:
زعم اليهود والمشركون أن سليمان كان ساحراً يستخدم الشياطين بالسحر والطلاسم والتنجيم.
المحاكمة العقلية ودفع الإشكال:
نفي السحر صراحة في القرآن: كما نصت سورة البقرة: {وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ}.
النص الحاسم على الإذن والقدرة الربانية: قوله تعالى: {بِإِذْنِ رَبِّهِ} وقوله {عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ} يقطع كل شبهة؛ فالجن كانوا خدماً مقهورين بسوط العذاب الإلهي وبمعجزة ربانية استجاب الله بها دعوة نبيه، وليس بموالاة الشياطين أو الركوع لهم كما يفعل السحرة.
الغاية الشريفة من التسخير: لم يسخرهم سليمان في أذية الناس أو السلب والنهب، بل في بناء المساجد والمحاريب وعمارة الأرض بالتوحيد والعدل.
الإيجاز بالحذف المقدر في (غدوها شهر ورواحها شهر): أي مسيرة شهر، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه للدلالة على سرعة الإنجاز واختصار الزمان والمكان.
الاستعارة في (عين القطر): شبه النحاس المذاب المتدفق بالماء النابع من العين؛ لبيان كثرته وسهولة تناوله بلا مشقة صهر.
صيغة التهديد البات في الشرط: {وَمَن يَزِغْ مِنْهُمْ... نُذِقْهُ}؛ دلالة على الانضباط الصارم في مملكة سليمان وأن الخروج عن الطاعة عقابه نار السعير.
اللطائف التدبرية والإشارية:
من أطاع الله سخر الله له الكائنات، ومن انقاد لأمر الله انقادت له الأسباب؛ ولكن أعظم ما يطلبه العبد هو التوفيق لشكر النعمة كما دعا سليمان: {رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ}.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي والتربوي:
تسخير الإمكانات والتقنيات والموارد المادية في خدمة الدعوة وعمارة الأرض؛ فالقوة المادية متى كانت في يد مؤمن صالح كانت خيراً وبركة للبشرية.
ترسيخ عقيدة التوحيد في رد المعجزات إلى الإذن الإلهي المطلق؛ فلا فاعل في الكون استقلالاً إلا الله.
العمل والوجدان الإيماني:
الحذر من الزيغ عن أمر الله؛ فإذا كانت الجن تعاقب بالسعير على التمرد، فالإنس المكلفون أولى بالحذر والوجل.
شكر الله على نعمة تيسير وسائل النقل الحديثة وتسخير الموارد الطبيعية النافعة للإنسان.