تفكيك قواعد الشرك الأربعة وقطع علائقه من القلوب: يروي الطبري في "جامع البيان" (ج 20، ص 396)جامع البيانالطبري٢٠/٣٩٦ وابن كثير (ج 6، ص 474)مصدر غير محدد٦/٤٧٤ عن قتادة ومجاهد وابن عباس، أن الله تعالى أمر رسوله ﷺ أن يتحدى المشركين الذين عبدوا الأصنام والأوثان والملائكة من دون الله وظنوا أنها تنفعهم أو تدفع عنهم ضراً أو تشفع لهم عند الله، فأمرهم أن يدعوها لتكشف عنهم الضر، ثم أقام البرهان العقلي القاطع الذي هدم به كل تعلق بغير الله من أصله، بنفي المراتب الأربع التي يمكن أن يُقصد المخلوق لأجلها:
نفي الملك الاستقلالي: {لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ}؛ فالمدعوون من دون الله لا يملكون ذرة هباء واحدة استقلالاً.
نفي الشركة: {وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ}؛ فإذا لم يكونوا ملاكاً مستقلين، فليس لهم مع الله أيضاً أي شركة في خلق السماوات والأرض ولا في ذرة منهما.
نفي المعاونة والمظاهرة: {وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ}؛ فالله غني عن خلقه لم يتخذ من هذه المعبودات ولا من غيرها عوناً أو وزيراً أو ظهيراً يعاونه في ملكه وتدبيره.
(المرتبة الرابعة في الآية التالية): نفي الشفاعة المستقلة: {وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ}.
تقرير الإمام ابن القيم حول الآية: يقرر ابن القيم في "مدارج السالكين" (ج 1، ص 342)مدارج السالكينابن القيم١/٣٤٢ و"كتاب التوحيد": «وهذه الآية قطعت عروق شجرة الشرك من قلب من فهمها وعقلها؛ فإن المشرك إنما يتعلق بغير الله لما يرجو من نفعه، والنفع لا يحصل إلا ممن فيه خصلة من هذه الأربع: إما أن يكون مالكاً لما يريده العبد، فإن لم يكن مالكاً كان شريكاً للمالك، فإن لم يكن شريكاً له كان عوناً وظهيراً له، فإن لم يكن عوناً ولا ظهيراً كان شفيعاً عنده؛ فنفى الله سبحانه هذه المراتب الأربع نفياً مرتباً متدلياً من الأعلى إلى الأدنى... فلم يبق للمشرك وجه يتعلق به البتة».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
ذروة البرهان التوحيدي في السورة: بعد أن جالت السورة في ملكوت السماوات والأرض، ونماذج الشكر والكفران (داود وسليمان مقابل سبأ وسيل العرم)، وأسقطت سطوة الشياطين وعلمهم للغيب؛ صعدت الآية إلى القمة العقدية الكبرى: محاكمة أرباب الشرك ودك أوثانهم بالأدلة العقلية الحاصرة المانعة؛ لتبين أن المعبود الحق هو الله وحده المالك المستقل الذي لا شريك له ولا معين.
التدلي المنطقي المحكم: رتب النظم درجات النفي ترتيباً تنازلياً دقيقاً:
نفي استقلال الملك بالكلية: {لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ}.
فإن طمع الخصم في ملك جزئي على وجه المشاركة نفاه: {وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ}.
فإن قال المشرك: ليسوا شركاء ولكنهم وزراء وأعوان لله، نفاه: {وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ}.
فإن قال: إنهم يشفعون عنده بوجاهتهم الذاتية فيلزمونه بقضاء حوائجنا، نفاه في الآية التالية: {وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ}؛ فأغلقت الأبواب كلها في وجه الشرك.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة الاحتجاج باتخاذ الشفعاء والأولياء والوسائط:
يزعم كل مشرك ووثني على مر العصور: نحن نعلم أن الأصنام أو الأولياء لم يخلقوا الكون، ولكننا نتخذهم وسائط وأعواناً وشفعاء يقربوننا إلى الله زلفى.
المحاكمة العقلية ودفع الإشكال:
نفي كل أسباب التوسط المستقل: الآية أسقطت كل سبب عقلي يبرر دعاء غير الله؛ فالوسيط إما أن يملك نفعاً مستقلاً (وهو منفي)، أو يملك نصيباً شريكاً (وهو منفي)، أو يكون عوناً ومساعداً للملك (والله غني عن كل ظهير)؛ فإذا بطلت هذه الثلاثة بطل الشرك من أساسه؛ لأن دعاء من لا يملك ولا يشارك ولا يعاون سفه عقلي محض.
التناقض الصارخ عند المشركين: يقرون بأن الله هو الخالق الرازق وحده، ثم يصرفون الدعاء والنذر والرجاء لمن لا يملك مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض؛ فألزمهم القرآن بما أقروا به لإبطال ما ابتدعوه.
صيغة الأمر التعجيزي (قل ادعوا): لإظهار عجزهم وإفلاس معبوداتهم عند نزول الكربات.
التعبير بـ (زعمتم): للإشعار بأن هذا الاعتقاد وهم باطل وسراب خادع لا حقيقة له في الواقع ونفس الأمر.
استعمال (مِن) الاستغراقية وتكرارها: {مِن شِرْكٍ... مِّن ظَهِيرٍ}؛ لاستيعاب نفي أي قدر من الشركة والمظاهرة ولو كان نقيراً أو قطميراً.
اللطائف التدبرية والإشارية:
القلب المعلق بالله وحده يعيش في حرية تامة وعزة مطلقة؛ لأنه يعلم يقيناً أن الخلائق كلهم من ملوك ورؤساء وملائكة وجن لا يملكون مثقال ذرة نفعاً أو ضراً إلا بإذن الله؛ فكيف يذل المؤمن نفسه لمخلوق ضعيف؟!
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي والتربوي:
إتقان أساليب البرهان المنطقي والتدرج في مناظرة المبطلين وتجريد التوحيد الخالص من كل شائبة.
تحرير العقول من التبعية للأنداد والوسائط الباطلة؛ فالدعاء مخ العبادة ولا يُصرف إلا لله الحي القيوم.
العمل والوجدان الإيماني:
إفراد الله بالدعاء والاستعانة والتوكل: «إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ» (سنن الترمذي، رقم 2516)سنن الترمذيالترمذيحديث رقم ٢٥١٦.
محو الخوف من المخلوقين من سويداء القلب؛ فمن لا يملك مثقال ذرة لا يستحق أن يُخاف منه أو يُرجى من دونه.