محاكمة المشركين ببرهان الرزق والإنصاف المعجز في الجدال: يروي الطبري في "جامع البيان" (ج 20، ص 401)جامع البيانالطبري٢٠/٤٠١ وابن كثير (ج 6، ص 477)مصدر غير محدد٦/٤٧٧ عن قتادة ومجاهد وابن عباس، أن الله تعالى أمر نبيه ﷺ أن يسأل المشركين سؤالاً لا جواب لهم عنه إلا جواباً واحداً: من يرزقكم بما ينزل من السماء من مطر وشمس وهواء، وما يخرج من الأرض من أقوات ونبات وينابيع ومعادن وثمار؟ فلما كانوا لا يستطيعون أن ينسبوا الرزق لآلهتهم وأصنامهم لعلمهم بأنها جمادات عاجزة، أمره الله أن يبادر بالإجابة الحاسمة: {قُلِ اللَّهُ}؛ ثم أمره بأرقى أسلوب من أساليب الإنصاف العقلي والأدب في المناظرة: {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ}؛ أي إن أحد الفريقين (نحن أهل التوحيد، أو أنتم أهل الشرك) لعلى طريق مستقيم واضح من الهدى، والآخر غارق في ضلال بين مكشوف؛ فتعالوا نحاكم الأمر بالعقل والبرهان ليتضح المحق من المبطل!
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ}: أو عاطفة، في ضلال جار ومجرور معطوفان على (على هدى)، ومبين نعت مجرور بالكسرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
أرقى نماذج الإنصاف الجدلي (أسلوب نصفة الخصم): هذا النظم القرآني يمثل الذروة في فن المناظرة والمحاكمة المنطقية الهادئة؛ فلم يقل لهم: "نحن على الهدى وأنتم في الضلال"، وإن كان ذلك هو عين الحقيقة واليقين؛ بل تلطف في الخطاب ونزل معهم إلى ساحة البحث المشترك: {وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَىٰ هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ}؛ ليروض نفوسهم المعاندة على التفكير المجرد، ويسلب منهم التعصب الأعمى، ليحكم العقل وحده بأن من وحد الرزاق المنعم على هدى، ومن عبد الحجر العاجز في ضلال مبين.
تنوع حروف الجر الدقيق (على هدى / في ضلال): استعمل مع الهدى حرف الاستعلاء (على): {لَعَلَىٰ هُدًى}؛ لأن صاحب الحق يستعلي بالهدى ويرتفع به وينظر في آفاق البصيرة؛ واستعمل مع الضلال حرف الظرفية (في): {أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ}؛ لأن صاحب الباطل منغمس في ظلمة الضلال محاط بالجهل والحيرة كأنه في قعر بئر مظلمة!
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة هل كان النبي ﷺ في شك من كونه على الهدى حين قال (وإنا أو إياكم):
قد يزعم طاعن سخيف: هذا التردد بـ (أو) يدل على أن النبي لم يكن متيقناً من صحة دينه!
المحاكمة العقلية ودفع الإشكال:
أسلوب التنازل والإنصاف الإلزامي معروف في لغة العرب وأساليب المناظرة: يقول المناظر لخصمه المخطئ وضوحاً: "أحدنا كاذب"، وهو يعلم يقيناً أنه الصادق وخصمه هو الكاذب، ولكنه يسوق الكلام مساق التلطف لإلزام الخصم بالحجة دون إثارة حميته وعناده.
الحصر العقلي المانع من الجمع: الآية تقرر بدهية عقلية: المتناقضان لا يجتمعان؛ فلا يمكن أن يكون التوحيد والشرك كلاهما حقاً؛ فلابد أن يكون أحدهما على هدى والآخر في ضلال؛ ولما كان المسلمون يعبدون خالق السماوات والأرض الرازق وحده، وكان المشركون يعبدون حجارة صماء؛ حكم العقل بالبداهة لمن تكون الهداية ولمن يكون الضلال.