رد المستكبرين على الأتباع وتبرؤهم من إغوائهم: يروي الطبري في "جامع البيان" (ج 20، ص 412)جامع البيانالطبري٢٠/٤١٢ وابن كثير (ج 6، ص 482)مصدر غير محدد٦/٤٨٢ عن قتادة ومجاهد وابن زيد، أن القادة والرؤساء لما سمعوا تهمة الأتباع لهم بقولهم: {لَوْلَا أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ}، غضبوا وردوا عليهم منكرين متبجحين: أنحن أكرهناكم على الكفر وأجبرناكم عليه؟ هل صددناكم قهراً عن قبول الهدى والحق بعد أن جاءتكم الرسل وقامت عليكم الحجج والبينات؟ كلا! ما كان لنا عليكم من سلطان قاهر، بل كنتم أنتم مختارين للضلال، مؤثرين للشهوات، مجرمين في أنفسكم بكفركم وإعراضكم؛ فلا تلقوا لومكم علينا!
معنى (أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ): ينقل القرطبي (ج 14، ص 309)مصدر غير محدد١٤/٣٠٩ أن الاستفهام هنا إنكاري توبيخي وتبرؤ حاسم من الجبر والقهر.
ضبط القراءات:
قرأ الجمهور: {أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ} بهمزة واحدة مفتوحة بعد نون الاستفهام المحققة.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ورويس بتسهيل الهمزة الثانية أو إدخال ألف بينهما في لغات الاستفهام.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البنية اللغوية والمعجمية:
{صَدَدْنَاكُمْ}: الصد هو المنع والصرف والحيلولة بالقوة أو الحيلة بين الشخص والغاية.
{الْهُدَىٰ}: نور الوحي ودعوة الرسل والبراهين العقلية.
{مُّجْرِمِينَ}: مكتسبي الجرم، المتلبسين بالإثم عن قصد واختيار.
الإعراب والتركيب النحوي:
{قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا}: فعل وفاعل وصلته.
{لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا}: جار ومجرور وصلته متعلقان بـ (قال).
{أَنَحْنُ}: الهمزة للاستفهام الإنكاري، نحن ضمير منفصل مبني في محل رفع مبتدأ.
{صَدَدْنَاكُمْ}: فعل ماضٍ ونا فاعل والكاف مفعول به، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ (نحن)، والجملة الاسمية مقول القول.
{عَنِ الْهُدَىٰ}: متعلقان بـ (صددناكم).
{بَعْدَ}: ظرف زمان متعلق بـ (صددناكم)، وهو مضاف.
{إِذْ}: ظرف لما مضى مبني في محل جر مضاف إليه.
{جَاءَكُم}: فعل ماضٍ والكاف مفعول به، والفاعل مستتر تقديره هو يعود على الهدى، والجملة صلة الظرف (إذ).
{بَلْ}: حرف إضراب وإبطال لكلام الأتباع.
{كُنتُم}: فعل ماضٍ ناقص والتاء اسمها.
{مُّجْرِمِينَ}: خبر كان منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
سرعة التبرؤ وسقوط أحلاف الباطل: أظهر النظم هنا الانهيار السريع للعلاقات والتحالفات الكفرية؛ فالذين كانوا في الدنيا أولياء يتناصرون على الباطل ويؤلفون الأحزاب ضد أهل الإيمان، انقلبوا في لحظة الحساب أعداء ألدّاء يلقي كل طرف المسؤولية الجنائية على الآخر؛ ليدرك القارئ سخف الاعتماد على غير الله.
حرف الإضراب (بل): حسم الموقف ونقل الجرم إلى محله الذاتي: {بَلْ كُنتُم مُّجْرِمِينَ}؛ لإثبات أن الأتباع مجرمون أصلاء وليسوا ضحايا معذورين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة عذر التابع لجهله أو سطوة المتبوع:
يظن بعض السذج أن العامي التابع معذور بكفره إذا كان قائده جباراً مستكبراً!
المحاكمة العقلية ودفع الإشكال:
وصول البلاغ يقطع العذر: نصت الآية على العلة القاطعة: {بَعْدَ إِذْ جَاءَكُم}؛ فما دام الهدى قد جاء والرسل قد بلغت والحجة قد قامت، سقط كل عذر للتابع والمتبوع؛ لأن طاعة المخلوق في معصية الخالق لا تجوز عقلاً ولا شرعاً.
كشف كذبة الإجبار: القادة المستكبرون صدقوا في هذه الجزئية حين قالوا: {أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ}؛ إذ لم يكن معهم عصا قاهرة تقهر القلوب على الكفر، بل وافق الأتباع باطل القادة عن هوى في نفوسهم وموافقة للشهوات ورضا بالدنيا؛ فاستحق الجميع وصف الإجرام.