سلطان الوحي وقذف الحق لإزهاق الباطل: يروي الطبري في "جامع البيان" (ج 20، ص 436)جامع البيانالطبري٢٠/٤٣٦ وابن كثير (ج 6، ص 490)مصدر غير محدد٦/٤٩٠ عن قتادة ومجاهد وابن عباس، أن الله تعالى يعلم نبيه ﷺ إعلان الثقة المطلقة بسلطان الحق وظهوره؛ فالله سبحانه هو الذي ينزل الوحي من السماء ويلقيه إلى أنبيائه، ويقذف به في قلوب العباد، فيدمغ به الباطل ويزهقه ويدحض شبهات المبطلين كما يقذف السهم الصائب فيصيب هدفه؛ وهو سبحانه {عَلَّامُ الْغُيُوبِ} يعلم ما كان وما يكون وما تنطوي عليه الضمائر، ويعلم كيف تنتهي الأمور ومآلات الصراع بين الحق والباطل.
ضبط القراءات:
قرأ الجمهور: {عَلَّامُ الْغُيُوبِ} برفع الميم على أنه خبر ثانٍ لـ (إنّ)، أو بدل من الضمير المستتر في (يقذف)، أو خبر لمبتدأ محذوف تقديره: هو علامُ الغيوب.
وقرأ الأعمش وزيد بن علي: {عَلَّامِ الْغُيُوبِ} بجر الميم نعتاً لـ (ربي).
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البنية اللغوية والمعجمية:
{يَقْذِفُ}: القذف هو الرمي السريع بقوة وشدة؛ ويستعمل في إلقاء الوحي بقوة سلطانه، وفي دحض الباطل وصرعه: {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ}.
{بِالْحَقِّ}: الوحي والقرآن والبرهان والعدل؛ والباء للتعدية أو للملابسة؛ أي يقذف الحق نفسه، أو يقذف بالحق على الباطل.
{عَلَّامُ}: صيغة مبالغة من العالم، للدلالة على السعة والعموم والكمال في العلم.
{الْغُيُوبِ}: جمع غيب، وهو كل ما غاب عن حواس المخلوقين ومداركهم من أمور السماوات والآخرة والقلوب.
الإعراب والتركيب النحوي:
{قُلْ}: فعل أمر فاعله مستتر.
{إِنَّ}: حرف توكيد ونصب.
{رَبِّي}: اسم إن منصوب بالفتحة المقدرة، والياء مضاف إليه.
{يَقْذِفُ}: فعل مضارع مرفوع، والفاعل مستتر تقديره هو، والجملة في محل رفع خبر إن.
{بِالْحَقِّ}: جار ومجرور متعلقان بـ (يقذف)، والباء للتعدية (أي يقذف الحقَّ) أو للملابسة (أي يقذف قضاءه متلبساً بالحق).
{عَلَّامُ الْغُيُوبِ}: خبر ثانٍ لـ (إن) مرفوع بالضمة، أو خبر لمبتدأ محذوف تقديره هو، والغيوب مضاف إليه مجرور بالكسرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
اليقين بانتصار الحق وزهوق الشبهات: بعد أن دحض شبهات المشركين وافتراءاتهم وزعمهم أن القرآن سحر وإفك؛ جاء هذا الإعلان الحاسم ليقرر أن هذا القرآن ليس كلام بشر يصيبه الضعف أو التبديل، بل هو قذف إلهي بالحق الناصع من لدن علام الغيوب؛ وإذا قذف الله بحقه على ظلمات الباطل أضاء الأكوان ودمغ الزيف.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة استمرار صولة الباطل وتأخر اندحاره:
قد يرى الناظر انتفاش الباطل في بعض الأزمنة فيتوهم ضعيف الإيمان أن الباطل هو المنتصر!
المحاكمة العقلية ودفع الإشكال:
القذف الإلهي سنة ماضية: التعبير بالفعل المضارع {يَقْذِفُ} يفيد التجدد والاستمرار؛ فالله في كل معركة يقذف بحجج الوحي فتبدد شبهات الملاحدة والمشركين؛ وانتفاش الباطل عارض كزبد البحر سرعان ما يذهب جفاءً ويبقى الحق في الأرض.
علم الغيوب يدبر الصراع: ختم الآية بـ {عَلَّامُ الْغُيُوبِ} يسكب الطمأنينة في قلب المؤمن؛ لأن الله يعلم خفايا الصراع وحكمة الإمهال وتوقيت النصر والفتح.
البعد البياني والبلاغي والإشاري والتدبري
البلاغة والبيان:
الاستعارة التصريحية الحركية في (يقذف): تشبيه تنزيل الوحي وإظهار الحجج بالقذيفة الصائبة القوية التي تهدم حصون الباطل وتصرع الشبهات.
صيغة المبالغة (عَلَّامُ): لإثبات كمال الإحاطة بالأسرار والخواطر التي يحيكها المبطلون ومكرهم في ظلمات الليل.
اللطائف التدبرية والإشارية:
لا تقلق على الحق؛ فالحق مدعوم بقوة قذف الله وسلطانه، ولكن اقلق على نفسك: هل أنت من جند هذا الحق الرامين به، أم أنت في صفوف المتفرجين أو المبطلين؟!
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي والتربوي:
الثقة المطلقة بقوة نصوص القرآن وبراهين الوحي في مواجهة الإلحاد والزندقة والشبهات المعاصرة.
تفويض عواقب الصراع إلى علام الغيوب والعمل الدؤوب في نصرة الحق.
العمل والوجدان الإيماني:
تعظيم الله باسمه (عَلَّامُ الْغُيُوبِ) ومراقبته في السرائر والخلوات.
التسلح بحجج الوحي وقذف الباطل ببراهين القرآن المبين.