مشهد فزع الكفار عند الموت أو المحشر وانقطاع مهربهم: يروي الطبري في "جامع البيان" (ج 20، ص 440)جامع البيانالطبري٢٠/٤٤٠ وابن كثير (ج 6، ص 491)مصدر غير محدد٦/٤٩١ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي والحسن، أن الله تعالى ينقل المشهد في ختام السورة إلى تلك اللحظة الحاسمة الرهيبة التي تتجمد عندها الدماء؛ ولو ترى يا رسول الله أو أيها الرائي حال هؤلاء المكذبين حين يدهمهم الفزع الأكبر والرعب الماحق (إما عند احتضارهم ونزول ملائكة العذاب لقبض أرواحهم، أو يوم القيامة حين يخرجون من القبور وينظرون إلى النار)، لرأيت أمراً فظيعاً يفوق الوصف؛ حيث تتقطع بهم الأسباب {فَلَا فَوْتَ}؛ أي فلا مهرب ولا ملجأ ولا منجى ولا فوات من قبضة الله وقضائه، بل يؤخذون قهراً وبغتة من مكان قريب جداً؛ من تحت أقدامهم ومن مضاجعهم وقبورهم، فيساقون إلى العذاب سياقاً سريعاً لا تأخير فيه.
تفسير وقعة بدر أو خسف البيداء: ينقل القرطبي (ج 14، ص 316)مصدر غير محدد١٤/٣١٦ عن ابن عباس وقتادة أن من مصاديق الآية في الدنيا: فزع مشركي قريش يوم بدر حين صرعت أبطالهم وأخذوا من مكان قريب فألقوا في قليب بدر؛ ولكن عموم الآية يتناول مشهد الاحتضار ويوم القيامة تناولاً تاماً ومستقصياً.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البنية اللغوية والمعجمية:
{فَزِعُوا}: أصابهم الرعب الشديد والهلع الذي يطيش بالعقول عند معاينة الموت أو أهوال الحشر.
{فَلَا فَوْتَ}: لا مهرب ولا نجاة ولا فوات من قبضة العذاب.
{أُخِذُوا}: قُبض عليهم قسراً وجبراً وقيدوا بالأصفاد.
{مَّكَانٍ قَرِيبٍ}: من قبورهم ومضاجعهم، أو في الدنيا قبل أن يبلغوا ما يأملون.
الإعراب والتركيب النحوي:
{وَلَوْ}: الواو استئنافية، لو شرطية تفيد الامتناع والتهويل.
{تَرَىٰ}: فعل مضارع وفاعله مستتر، وجواب لو محذوف للتهويل؛ أي لرأيت أمراً مهولاً.
{إِذْ}: ظرف لما مضى استعمل في المستقبل لتحقق وقوعه متعلق بـ (ترى) أو مفعول به.
{فَزِعُوا}: فعل ماضٍ والواو فاعل، والجملة في محل جر بإضافة (إذ) إليها.
{فَلَا}: الفاء عاطفة أو تفريعية، لا نافية للجنس تعمل عمل إن.
{فَوْتَ}: اسم لا النافية للجنس مبني على الفتح في محل نصب، وخبرها محذوف تقديره (كائن لهم أو ممكن).
{وَأُخِذُوا}: الواو عاطفة، أخذوا فعل ماضٍ مبني للمجهول والواو نائب فاعل.
{مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ}: جار ومجرور ونعت متعلقان بـ (أخذوا).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الضربة القاضية للغرور والتردد: ختام السورة يرسم النهاية الحتمية لرحلة العناد؛ فأولئك المترفون الذين استكبروا وقالوا: لن نؤمن، وسخروا وقالوا: متى هذا الوعد، ها هم اليوم في قبضة الخوف والهلع؛ انقطعت حيلهم وسقطت مهابتهم وأُخذوا بغتة؛ ليتبين لكل قارئ المصير الحتمي لكل مستكبر عن الحق.
حذف جواب (لو): {وَلَوْ تَرَىٰ...} من أرفع أساليب التهويل القرآني؛ للدلالة على أن الهول المتوقع لا تحيط به لغة ولا يستوعبه خيال.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة وهم الإفلات من قبضة العدالة الإلهية: يظن المجرم في الدنيا أنه قادر على الهروب بجريمته أو التخفي في أرجاء الأرض؛ فرد القرآن بأن الكون كله في قبضة الله قريب، لا يحتاج إحضارهم إلى ملاحقة ولا تفتيش؛ بل يؤخذون من مكان قريب بل من داخل ذواتهم وقبورهم، فلا فوت ولا مهرب.