الرغبة المتأخرة المستحيلة في الإيمان واستحالة التناول: يروي الطبري في "جامع البيان" (ج 20، ص 442)جامع البيانالطبري٢٠/٤٤٢ وابن كثير (ج 6، ص 492)مصدر غير محدد٦/٤٩٢ عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي، أن الكفار لما عاينوا العذاب وأحاطت بهم أهوال الآخرة وشارفوا على الموت والنار، صرخوا معلنين الإيمان: {آمَنَّا بِهِ}؛ أي آمنا بالقرآن وبالرسول وباليوم الآخر الذي كنا نكذب به؛ فيرد الله عليهم مستنكراً ومبيناً استحالة قبول هذا الإيمان المتأخر: {وَأَنَّىٰ لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ}؛ أي وكيف يتناولون الإيمان ويدركون التوبة بعد أن انقطعت دار الدنيا والعمل، وصاروا في الدار الآخرة التي هي دار جزاء لا دار عمل وتكليف؟! لقد بعدت عنهم فرصة النجاة ببعد الدنيا عن الآخرة، فلا سبيل إلى تدارك ما فات؛ كمن يريد أن يتناول بيده شيئاً يبعد عنه مسيرة فراسخ وأميال!
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البنية اللغوية والمعجمية:
{أَنَّىٰ}: اسم استفهام للتعجيب والاستبعاد المطلق؛ أي كيف ومن أين لهم ذلك؟
{التَّنَاوُشُ}: التناول السهل للشيء القريب باليد؛ يقال في لغة العرب: نُشْتُ الشيء أنوشُه نَوْشاً وتناوشاً، إذا تناولته بيدك وقبضت عليه بيسر.
{مَّكَانٍ بَعِيدٍ}: الدار الدنيا التي انقضت وفاتت، فبعدت عنهم زماناً ومكاناً واستحال الرجوع إليها.
الإعراب والتركيب النحوي:
{وَقَالُوا}: الواو عاطفة أو حالية، قالوا فعل وفاعل.
{آمَنَّا بِهِ}: فعل ماضٍ ونا فاعل، وبه متعلقان به، والجملة مقول القول.
{وَأَنَّىٰ}: الواو حالية، أنى اسم استفهام مبني في محل نصب على الظرفية المكانية متعلق بمحذوف خبر مقدم.
{لَهُمُ}: متعلقان بمحذوف خبر مقدم أيضاً.
{التَّنَاوُشُ}: مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة الظاهرة.
{مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ}: متعلقان بـ (التناوش)، ونعت مجرور بالكسرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تصوير المأساة النفسية للإيمان الاضطراري: يبرز النظم الحسرة القاتلة التي تعتصر قلوب المعاندين؛ فكلمة {آمَنَّا بِهِ} التي كانت سهلة ميسورة في الدنيا تثمر لهم الجنات والأمان، صارت اليوم مستحيلة القبول؛ لأن وقتها قد انقضى؛ وجاء التعبير بالاستفهام الاستبعادي {وَأَنَّىٰ لَهُمُ التَّنَاوُشُ} ليصور حركة اليد التي تمتد بيأس لتلتقط شيئاً في الأفق البعيد المستحيل!
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة لماذا لا تُقبل التوبة عند معاينة العذاب:
قد يظن ظان أن رحمة الله تقتضي قبول توبتهم وإيمانهم حين قالوا {آمَنَّا بِهِ}!
المحاكمة العقلية ودفع الإشكال:
الإيمان المقبول هو الإيمان بالغيب اختياراً: حكمة الابتلاء في الدنيا قائمة على التصديق بالرسل والقرآن والبعث غيباً دون معاينة حسية؛ فإذا عاين الإنسان العذاب والملائكة سقط الغيب وصار الأمر شهوداً حسياً يضطر كل مخلوق إلى الإذعان له كفرعون حين أدركه الغرق؛ والإيمان الاضطراري لا قيمة له في موازين التكليف: {فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا ۖ سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ}.
الدار الآخرة دار جزاء وحصاد: وقت الزرع في الدنيا، فإذا انقضى الأجل رُفعت الأقلام وجفت الصحف.
الاستعارة التمثيلية البديعة في (التَّنَاوُشُ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ): شبه طلبهم للإيمان والتوبة في الآخرة بمن يمد يده ليتناول شيئاً دقيقاً في مكان سحيق بعيد عنه لا تصل إليه يده؛ وهو غاية الإعجاز في تصوير الخيبة والاستحالة.
المقابلة الخفية مع الآية السابقة: في الآية السابقة أُخذوا {مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ} للعذاب، وهنا يطلبون النجاة والتوبة {مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ}؛ فالأخذ قريب والعياذ بعيد!
اللطائف التدبرية والإشارية:
الإيمان والتوبة اليوم بين يديك سهلان كشربة ماء، وغداً سيكونان أبعد من الثريا؛ فإياك والتسويف حتى لا تطلب التناوش من مكان بعيد.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي والتربوي:
التحذير الصارم من التسويف وتأخير التوبة؛ فالموت يأتي بغتة وحينها لا تنفع التوبة.
توضيح شروط التوبة المقبولة؛ وأنها لا تقبل إذا بلغت الروح الحلقوم أو طلعت الشمس من مغربها.
العمل والوجدان الإيماني:
المبادرة بالتوبة النصوح في هذه اللحظة؛ فالباب مفتوح والفرصة قريبة.
شكر الله على نعمة البقاء في دار المهلة والعمل الصالح.