موت سليمان عليه السلام وانكشاف جهل الجن بالغيب: يروي الطبري في "جامع البيان" (ج 20، ص 377)جامع البيانالطبري٢٠/٣٧٧ وابن كثير (ج 6، ص 465)مصدر غير محدد٦/٤٦٥ عن ابن عباس ومجاهد والسدي، أن سليمان عليه السلام سأل ربه أن يعمي على الجن موته حتى يعلم الإنس أن الجن لا يعلمون الغيب؛ فكان سليمان يقوم في محرابه يصلي متكئاً على عصاه (منسأته)، فقبض الله روحه وهو قائم معتمد على عصاه في المحراب الزجاجي والجن يعملون في الأعمال الشاقة الشديدة ينظرون إليه يظنونه حياً يصلي، فظل على ذلك مدة طويلة حتى سلط الله (الأرضة) وهي دابة الأرض (حشرة النمل الأبيض) فأكلت جوف العصا، فلما نخرت العصا وثقل عليها الجسد خر سليمان عليه السلام ساقطاً إلى الأرض؛ فلما سقط تفرقت الجن وعلم الإنس يقيناً أن الجن ضعفاء لا يعلمون الغيب، إذ لو كانوا يعلمون الغيب لعلموا بموته ساعة قبض، ولما لبثوا حولاً كاملاً في العذاب المهين والعمل الشاق المسخرين فيه.
معنى (منسأته): يوضح القرطبي (ج 14، ص 285)مصدر غير محدد١٤/٢٨٥ أن المنسأة هي العصا العظيمة التي يُزجر بها ويساق بها، من نسأت الإبل إذا طردتها وزجرتها.
ضبط القراءات:
قرأ الجمهور: {مِنسَأَتَهُ} بهمزة مفتوحة ساكن ما قبلها.
وقرأ نافع وأبو جعفر وأبو عمرو في بعض طرقه: {مِنسَاتَهُ} بإبدال الهمزة ألفاً محضة على التخفيف اللغوي.
وقرأ ابن ذكوان عن ابن عامر: {مِنسَأَتَهُ} بسكون الهمزة على لغة من يسكن الهمز في الكلمات المفتوحة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البنية اللغوية والمعجمية:
{قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ}: حكمنا عليه به وأمضيناه ونفذناه فيه حتماً مقضياً.
{دَابَّةُ الْأَرْضِ}: حشرة الأرضة المعروفة التي تأكل الخشب وسيلولوز النبات.
{مِنسَأَتَهُ}: عصاه التي يتوكأ عليها ويسوق بها.
{خَرَّ}: سقط وهوى إلى الأرض بسرعة وارتطام.
{تَبَيَّنَتِ}: ظهر وانكشف ووضح الأمر وضوحاً تاماً لا يحتمل الشك.
{الْعَذَابِ الْمُهِينِ}: التعب الشاق والأشغال الشديدة المسخرين فيها مقهورين مذلولين.
الإعراب والتركيب النحوي:
{فَلَمَّا}: الفاء عاطفة، لما ظرفية زمانية متضمنة معنى الشرط.
{قَضَيْنَا}: فعل ماضٍ ونا فاعل، والجملة في محل جر بإضافة (لما) إليها.
{عَلَيْهِ}: متعلقان بـ (قضينا).
{الْمَوْتَ}: مفعول به منصوب بالفتحة.
{مَا دَلَّهُمْ}: ما نافية، دل فعل ماضٍ والهاء مفعول به أول والميم للجمع.
{عَلَىٰ مَوْتِهِ}: جار ومجرور متعلقان بـ (دل).
{إِلَّا}: أداة حصر واستثناء مفرغ.
{دَابَّةُ الْأَرْضِ}: دابة فاعل مرفوع بالضمة، الأرض مضاف إليه مجرور بالكسرة.
{تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ}: فعل مضارع ومفعوله، والفاعل مستتر تقديره هي، والجملة في محل نصب حال من دابة الأرض أو استئنافية.
{فَلَمَّا خَرَّ}: لما رابطة، خر فعل ماضٍ وفاعله مستتر تقديره هو يعود على سليمان.
{تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ}: تبين فعل ماضٍ، والتاء للتأنيث، والجن فاعل مرفوع بالضمة (أي ظهر للجن جهلهم أو ظهر أمرهم للإنس).
{أَن}: مخففة من الثقيلة واسمها ضمير الشأن محذوف.
{لَّوْ كَانُوا}: لو حرف امتناع لامتناع، كانوا فعل ماضٍ ناقص والواو اسمها.
{يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ}: فعل مضارع وفاعله ومفعوله، والجملة خبر كان.
{مَا لَبِثُوا}: ما نافية، لبثوا فعل ماضٍ والواو فاعل، والجملة جواب لو لا محل لها.
{فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ}: جار ومجرور نعت ومنعوت متعلقان بـ (لبثوا).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إسقاط هيبة الشياطين وكشف أكذوبة علمهم للغيب: هذا المشهد النظمي العظيم يمثل الضربة القاضية لأعظم خرافة استقرت في عقول المشركين وجهلة الناس عبر التاريخ، وهي زعمهم أن الجن والشياطين يعلمون الغيب ويكشفون الأسرار؛ فبين القرآن في أوج مشهد ملك سليمان أن الجن -بكل قواهم وسرعتهم ومكرهم- ظلوا أشهراً يكدحون في الأشغال الشاقة أمام جثمان نبي ميت متكئ على عصاه، ولم يعلموا بموته وهو على بعد أمتار منهم، حتى أكلت دودة صغيرة لا تكاد ترى طرف عصاه فخر ساقطاً؛ فإذا عجزوا عن معرفة موت من أمامهم عياناً، فكيف يزعم زاعم أنهم يعلمون الغيب المستور؟!
الارتباط بتقرير علم الله المطلق في مطلع السورة: تناسقت الآية تماماً مع قوله في مطلع السورة: {عَالِمِ الْغَيْبِ ۖ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ}؛ ليتأكد أن الغيب محجوب عن جميع الخلائق (إنسهم وجنهم وملائكتهم) ومختص بالله وحده.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة كيف استمر الجثمان سنة كاملة دون أن يتغير أو تعفن:
يثير الماديون تساؤلاً: كيف يبقى الميت شهوراً متكئاً دون أن يسترخي أو يسقط أو يتغير جسده؟
المحاكمة العقلية ودفع الإشكال:
أجساد الأنبياء لا تبلى ولا تأكلها الأرض: ثبت في الحديث الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى الْأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ أَجْسَادَ الْأَنْبِيَاءِ» (سنن أبي داود، رقم 1047، وصححه الألباني)؛ فجسد سليمان عليه السلام كان محفوظاً بقدرة الله مصاناً من التغير والتعفن والتحلل.
استناد الجسد على العصا وهيئة الصلاة: كان متكئاً على منسأته اتكاءً محكماً يمنع انحناء الجسد وسقوطه ما دامت العصا قائمة، فلما نخرت حشرة الأرضة قاعدة العصا اختل التوازن فسقط خراً.
البعد المعجز في الحدث: الحادثة كلها آية إلهية خارقة للعادة قصد الله بها فضح ادعاء الجن وتحرير عقول الإنس من الخرافة والدجل؛ والله فعال لما يريد.
القصر والحصر بـ (ما... إلا): {مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ}؛ للدلالة على منتهى العجز، وأن سبب انكشاف الأمر كان أحقر المخلوقات وأصغرها.
المفارقة الهائلة الساخرة: بين عظمة الشياطين والمردة وجبروتهم، وبين دابة الأرض الصغيرة الضعيفة التي قادت إلى فضحهم وانهيار قيودهم.
التعبير بالخرور (خر): لتصوير السقوط المباغت الذي هز الصمت وكشف الستار في لحظة واحدة.
اللطائف التدبرية والإشارية:
أحياناً يسخر الله أصغر المخلوقات (دابة الأرض) لإبطال أعظم الأكاذيب (علم الجن للغيب)؛ فلا يحقرن أحد شيئاً من خلق الله وسننه.
الموت حق نافذ على الملوك والأنبياء؛ فملك سليمان العظيم لم يدفع عنه كأس المنية حين جاء الأجل المكتوب.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي والتربوي:
حرب الخرافة والدجل وتطهير العقول من تصديق العرافين والكهنة والسحرة والمشعوذين الذين يدعون اتصالهم بالجن ومعرفة الغيب؛ فالجن أنفسهم جهلة بالغيب وعاجزون مقهورون.
ترسيخ حقيقة اختصاص الله بعلم الغيب: {قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ}.
العمل والوجدان الإيماني:
الاستعاذة بالله من الشياطين والاعتماد التام على الله وحده في طلب الحوائج وكشف الكربات.
تدبر قصر الدنيا ونهايتها الحتمية، وأن الملك الحق الدائم هو ملك الله الحي القيوم الذي لا يموت.