انقطاع النفع والضر بين الخلائق وسياق الظالمين إلى النار: يروي الطبري في "جامع البيان" (ج 20، ص 427)جامع البيانالطبري٢٠/٤٢٧ وابن كثير (ج 6، ص 487)مصدر غير محدد٦/٤٨٧ عن قتادة ومجاهد، أن الله تعالى بعد أن أظهر براءة الملائكة وفضيحة الشركاء يعلن الحكم النهائي الفاصل: ففي هذا اليوم المشهود (يوم القيامة) تسقط كل الأسباب، وتنقطع كل الأنساب، ولا يملك أحد من الخلائق لأحد أدنى نفع بجلب خير أو شفاعة، ولا دفع أدنى ضر من عذاب جهنم؛ ويقال للمشركين الظالمين على وجه الإهانة والتقريع: ذوقوا عذاب جهنم الأليم التي كنتم في الدنيا تكذبون بها وبمجيئها وتسخرون من نذيرها!
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
البنية اللغوية والمعجمية:
{فَالْيَوْمَ}: يوم القيامة ويوم الفصل والجزاء.
{نَّفْعًا وَلَا ضَرًّا}: جلب خير أو دفع مكروه.
{ذُوقُوا}: الذوق هنا مجاز عن مباشرة العذاب ومقاساة ألمه الشديد بالجوارح والحواس.
الإعراب والتركيب النحوي:
{فَالْيَوْمَ}: الفاء رابطة لترتيب الحكم على ما قبله، اليوم ظرف زمان منصوب متعلق بـ (لا يملك).
{لَا يَمْلِكُ}: لا نافية، يملك فعل مضارع مرفوع بالضمة.
{وَنَقُولُ}: الواو عاطفة، نقول فعل مضارع والفاعل مستتر تقديره نحن.
{لِلَّذِينَ ظَلَمُوا}: متعلقان بـ (نقول)، وصلة الموصول ظلموا.
{ذُوقُوا}: فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، والجملة مقول القول في محل نصب.
{عَذَابَ النَّارِ}: عذاب مفعول به منصوب، النار مضاف إليه مجرور.
{الَّتِي}: نعت للنار مبني في محل جر.
{كُنتُم}: فعل ماضٍ ناقص والتاء اسمها.
{بِهَا}: متعلقان بـ (تكذبون).
{تُكَذِّبُونَ}: فعل مضارع مرفوع والواو فاعل، والجملة خبر كان، وجملة كان صلة الموصول لا محل لها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إعلان الإفلاس التام وسقوط الأوهام: بعد أن تبين أن الملائكة لم يرضوا بعبادتهم وأنهم كانوا يعبدون الشياطين، جاء التعقيب بالفاء الفصيحة {فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَّفْعًا وَلَا ضَرًّا}؛ لإعلان العجز الكلي والوحدة التامة؛ فلا المتبوع ينفع تابعه، ولا الصنم يشفع لعابده، بل الكل في قبضة العدالة الإلهية سواء.
التذكير بجريمة التكذيب (التي كنتم بها تكذبون): لبيان أن هذا العذاب ليس ظلماً بل هو تصديق عملي للحق الذي كذبوا به؛ فيجتمع عليهم عذاب النار وعذاب التبكيت والتقريع.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة عموم العذاب للجميع:
يوضح النظم أن الخطاب موجه {لِلَّذِينَ ظَلَمُوا}؛ فالظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، وأعظمه الشرك؛ فمن وحد الله واستقام لم يخاطب بهذا الخطاب بل كان في الغرفات آمناً.